الغزل في السياسة بالمغرب

الغزل في السياسة بالمغرب

في عام 2011  يحدث انفجار شباب الفايسبوك، ما أصبح يعرف خطاً بثورة الشعوب العربية. تجاوزاً، سوف لن نقف في هذه المقالة عند الدلالة المعجمية ولا المتن السياسي والإيديولوجي لمفهوم ” الثورة” و سنستعمله في معناه الحرفي، يعني الانتفاض ضد حالة معينة. لقد أنتجت هذه الثورة إلى حدود الآن دوراناً سياسيا مذهلاً، إذ ان  لغتنا السياسية أثبتت من جديد عدم قدرتها  على استساغة الأحداث  وعحزها عن وضع هذه الأحداث في سياقها الصحيح. نرى الأنظمة (كم يضحكني هذا اللفض، لأنه يوحي بوجود أنظمة، في حين يتعلق الامر بصعلكة سياسية تخدم العمالقة الكبار) تسقط واحدة تلو الأخرى كلعبة الدومينو. هذا السقوط “المفاجىء” يفسر عند البعض بمفعول التأثير الناتج عن أثر قطع الدمينو على بعضها، إذ حينما تسقط القطعة الاولى تهوى على الثانية فتسقط وهكذا.  هذا التشبيه يبدو سليماً فقط إذا اعترفنا أن سقوط القطعة الاولى في سلسلة الدومينو يكون دائماً تحت طائلة فعل خارجي عن السلسلة، مستحيل ان يكون سقوط القطعة الاولى من تلقاء ذاتها. والفعل الخارجي هذا ليس بالضرورة أن يكون مرئياً، يكفي أن تهب ريح قوية من مكان ما وتتأثر قطع الدومينو بها فتتهاوى بعضها على بعض. ومن ادرانا أن رياح “التغيير” التي تهب على العالم العربي الآن رياح مصطنعة آتية من قطب يقع خارج هذا العالم العربي ذاته.  ربما القطب المعروف والمزمع على بتغيير الخارطة السياسية للشرق الاوسط؟ سنتابع وسنكتشف وكل أملنا ألا نتأخر في الاكتشاف.

 

بعد الأزمة في تونس ومصر بدأت وسائل الاعلام في المغرب بالتكهن بما قد ياتي به المستقبل القريب وبالانعكاسات المحتملة للأزمة المفاجئة على البلاد.  كانت وسائل الإعلام الرسمية تنقل بانتظام وبحرص مثير للانتباه تصريحات ديبولماسيين أو جهة و من الجهات الغربية يؤكدون فيها أن المغرب لن يتأثر بما يشهده العالم العربي، وكأن هوءلاء الديبلوماسيين والجهات العليمة تعرف مسبقا من عليه أن يتغير الآن ومن لم يصله الوقت بعد.  كانت وسائل الإعلام في البلاد، الرسمية وشبه الرسمية، تؤكد على لسان ” خبراء” غربيين أن بلد الثبات  الأزلي سيظل يتمتع بثباته ولن يكون هذا الثبات سهل الزعزعة في الوقت الحالي على الأقل. إلى جانب هذه ” الاطمئنانات” الغربية كنا نشهد على مدى الأسابيع الماضية تصرحيات سياسيين، وزراء، رجال دين، جمعيات حقوقية ومنضمات المجتمع المدني التي يحميها ” انكشاريو” (أستعمل اللفض مجازاً لا غير)  العهد الجديد.؛ تصريحات تلح على أن ما اكتسبه المغرب على المستوى الديموقراطي تحميه من مخاطر التغيرر. الجميع وظف نفسه للاستثمار في الغزل المفرظ ليظهر للعالم أن للمغرب ملكاً انخرط منذ زمان في مسلسل دمقرطة السياسة (حتى لا أقول المجتمع). في الواقع ليس في الامر جديدا ونحن نتحدث عن بلد الثبات الأزلي. ففي عهد المرحوم الحسن الثاني كانت قوى اليمين تررد نفس الأسطوانة (وها هو المسلسل الديموقراطي لم ينته بعد). ما تغير الآن هو إجماع قوى اليمين واليسار  معاً على ممارسة فن الغزل. يجمع كل من هو داخل الإجماع على أن المغرب لا حاجة لديه لمن ينبهه إلى ضرورة الشروع الفوري في الإصلاحات، وحجة الإجماع هو أن الملك نفسه يشرف على الدمقرطة. ينسى أقطاب الإجماع من اليمين واليسار إلى أن هذا بالضبط ما ينبغي وفوراً الشروع في تغييره: إذا كان الملك يشرف هو نفسه على الدمقرطة فلتنسحب إذن هذه القوى السياسية التي تشكو العجز الدائم وتلجأ إلى الاختفاء الدائم وراء شخص الملك. 

استمر الإعلام المغربي في البحث عما يثبت فرادة النموذج المغربي في العالم العربي. كنا نقرأ ونسمع تصريحات لخبراء غربيين ينوهون بالتجربة المغربية، وكأن الأمر كان يتعلق بالتوسل لبعض “أصدقاء” المغرب من أجل تقديم شهادات تقدير لهذا البلد الذي لا يشكل أي استثناء إلا القدرة الهائلة على التمويه في كل مناسبة. في إطار هذا السعي، كنا نسمع هذا الوزير أو ذاك يستشهد بتصريحات خبراء أجانب ليطمئن ” الرعية” أن الشط آمن. حصل المغرب على شهادة حسن سيرة (مزروة) من عند بعض ” الأصدقاء” في الغرب، لكن مع ذلك كان التوتر يبدو واضحا في تصريحات بعض السياسيين والمسؤولين. وكأن هولاء كانوا يريدون من الشعب أن يصدقهم وهم انفسهم لا يصدقون.

في ظل الأجواء التي أفرزتها انفجارات تونس ومصر وعلى ضوئها، ظهرت الجماعة التي سمت نفسها بجماعة 20 فبراير التي دعت إلى التظاهر في هذا اليوم بالذات. بين الأخذ والرد والمضاربات حول هوية “البطل” الذي دعى إلى التظاهر، أطلقت مجموعة اخرى مبادرة تنظيم تظاهرة حب للملك وكان الملك في حاجة للحب (لكن المبادرة مباحة ما دام الغزل والمغازلة  يشكلان العنوان الأول للسياسة في المغرب قديماً وحديثاً). ومع الحالة التي وصل إليها البلد من عبثية الفعل السياسي،سمحت لنفسي ان اتسائل عن المصدر الذي استقت منه جماعة 20 فبراير جراة الدعوة للتظاهر. إننا نعرف جميعاً الأساليب المعتمدة إلى حدود الآن في العالم العربي والإسلامي، ونعرف أنه لم يتم في هذا العالم وعلى مدى قرون –بالضبط منذ وفاة الرسول محمد- التداول على السلطة السياسية بشكل اختياري وبدون إسالة وديان من الدم (ولا أعتقد القارء سيطالبني بالبيان، لأن العيان كاف)، كما نعرف أيضاً كيف يمكن بسهولة التخلص من مصادر القلق، خصوصاً وأنه في عالم الثورة التكنولوجية لا شيىء يستعصي. فكيف ولماذا سمحت الدولة لجماعة 20 فبراير بتقديم نفسها بديلاً عن الجميعـة وبالتظاهر في مناخ مشحون للغاية قد يؤدي لنتائج غير مرضية؟ سيأتينا الجواب على هذا السؤال على لسان منضمة العفو الدوليىة التي أشادت بموقف المغرب من المظاهرات السلمية، كما يأيتنا الجواب أيضاً من خلال تعامل السلطات مع كل من حاول التظاهر بعد 20° فبراير. وكأننا نسمع: لقد تظاهرنا وأثبتنا ديموقراطيتنا، فكفانا وجع الرأس.  

امتلأت وسائل الإعلام لمدة ثلاثة أسابيع بالمضاربات حول 20 فبراير، وانقسم القوم إلى مؤيد ومعارض، إلى مندد ومادح، إلى خائف ومستبشر خير……الخ. لكن الطابع المميز للخطاب الذي تم فيه الاستثمار أكثر هو خطاب الغزل، الكل يغازل الكل والكل يغازل في نهاية المطاف ملك البلاد. ومن لا طاقة له على الغزل ينضاف إلى صفوف البؤساء من السياسيين الذين يفرض عليهم التهميش المميت. ومع اقتراب 20 فبراير أصبح الوضع أكثر هدوءاً، وكأن الجميع اقتنع من خلال كل ما قيل في الأسابيع الثلاثة الاخيرة، ان المظاهرات تدخل في إطار مغازلة المغاربة لبعضهم البعض وأنها ستمر ، في كل الاحوال، على الشكل الذي خطط لها أن تمر عليه. لقد بدى واضحاً أن ” الانكشاريين”  قاموا بواجبهم بشكل محكم ومضبوط،، حتى الإنفلاتات التي حدثت هناك وهناك خُطط لها أن تستثمر سياسياً. حتى أقلام مناضلي اليسار سابقاً وظفت سلفاً لمحاصرة الأصوات المزعجة. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، حينما صرح الأمير هشام للقناة الفرنسية أن المغرب لا يشكل استثناء، كتب صلاح الوديع رداً رديئاً جداً ، اللهم إن وضعناه في إطار خطاب الغزل، ففي هذه الحالة لا حرج لأن الغاية تكون عند صاحبها أنبل من أي شيىء. ليس هذا دفاعاً عن الأمير ولا استنقاصاً من موقع الوديع، الامر محصور جداً في الحالة.

وصل يوم 20 فبراير ، وتظاهرالناس في العديد من المدن، بشكل سلمي ولبق جداً ( ولم لا يغازل المتظاهرون هم كذلك وكل شيء في البلاد يدعو للغزل؟  من يدري ، قد  يحالف الحظ مغازلاً ما ويصبح عضواً في هيئة ما). وبصرف النظر عن الحالات المشبوهة في بعض المدن مثل الحسيمة، مرت المظاهرات بشكل  مرض جداً، وحينما وصل وقت العشاء دخل المتظاهرون إلى بيوتهم. فرحت السلطات المغربية لرقي المتظاهر المغربي واغتبط الناطق باسم حكومة عباس الفاسي ، السيد خالد الناصري  الذي قال أن المغرب لا بد ان يعتز بتظاهرات 20 فبراير، وقرأ كل واحد منا الدعاء: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين. انتهى الأمر وحدث التلاحم من جديد إلا بين فؤاد وعبد الإله (الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية).

في وقت لاحق نشرت وسائل الإعلام تنويهات  بعض الهيئات الدولية وإشادتها بموقف الحكومة المغربية ، خصوصاً وأن قوات الأمن لم تعرقل سير المظاهرات التي أريد لها أن تكون سلمية. ثم لحت قصاصات وسائل الإعلام أن الشعب يحب ملكه ويطالبه فقط بالمزيد من الإصلاحات. أي شعب؟ نعرف أن خطاب التمويه لا يعبأ بأي شيىء، يتحدث عن الشعب فيما جميع المظاهرات لم يشارك فيها حسب الإحصاءات الرسمية سوى خمسون ألف متظاهر.  ثم ظهر كل شيىء وكانه عمل عقل فعال يدبر ويدير، وظهر أيضاً أن الملكية –باعتبارها المصدر الوحيد للشرعية السياسية- قادرة أن تحمي نفسها وقادرة على تحريك قطع الشطرنج وان تخرج من أزماتها كل مرة منتصرة: أحسبها يا أخي علناً منذ الاستقلال إلى الآن وستكتشف ان الملكلية هي التي تخلق الأحداث ولا تساير الأحداث دائماً. ففي 20 فبراير انتشر خبر ان الملك محمد السادس سيعلن عن شيىء مهم وتوقع العديد من المراقبين أنه سيعلن على إصلاح القاضاء لأن القضاء هو بداية الإصلاح. في اليوم التالي اعلن الملك فعلاً عن أشياء مهمة لكن ليس  عن إصلاح القضاء، أعلن عن خلق مجلس اجتماعي اقتصادي . وهذا المجلس ، إلى جانب العديد من المجالس في البلد ، سيعمل على تحقيق  تنمية الاقتصاد. لا ينبغي لأحد كان أن يشك في نوايا الملك، ولا أناعلى الأقل ، لكن التجربة تعلمنا أن مجالس من هذا النوع في بلد يحكمه الثبات الأزلي للذهنية السياسية غير مجدية. المواطنون لا  يؤمنون بفعالية هذه المجالس ، إنهم يجبرون على التصديق والإيمان بها فقط لأنهم يتعرضون للترهيب من قبل دعاية قوية يقودها انكشاريو العهد الجديد. إن البلاد تتعرض لظاهرة خطيرة جداً: شراء الضمائر في السر والعلن، ومن لم يقدم نفسه للمضاربة السياسية يغزوه نفوذ الانكشاريين. في البلاد أناس يشبه وضعهم (مجازاً) وضع الإنكشاريين في العهد العثماني: لديهم تنظيم خاص، يخضعون لوضع خاص، لديهم امتيازاتهم الخاصة، يمارسون سلطاً خاصة………. تحت شعارحماية “الوطن” لا يترددون، مثلهم مثل الانكشاريين العثمانيين، على إرغام المجتمع  المغربي على مغازلة نفسه والتلذذ بردائة العيش:  يجبر الشعب على الاقتناع، علىى طريقة الرواقيين، بالوضع وبما آل إليه مواسياً نفسه بـ:” الله غالب”. العديد   من التقارير الوطنية والدولية يظهر أن بلاد الثبات الازلي للذهنية السياسية يغوص أكثر فأكثر في الفقر والاستبداد. لكن فرضية “كل شيء على ما يرام في بلدنا” تعزز باستمرار من قبل ابواق وطبول الانكشاريين.

فبراير 2011

Leave a Reply