ربيع عربي؟

ربيع عربي؟

ثمة انطباع عام ، يكاد يصبح قناعة راسخة، يسود العالم العربي الآن وهو ان شعوب هذه البقعة المتميزة تاريخياً، جغرافياً وسياسيا قد بدأت حقبة جديدة من تاريخها . إنها حسب ” الإجماع”  حقبة الإصلاحات السياسية التي ستسمح لشعوب هذه المنطقة بالتحرر من وطأة أنظمة سياسية محجور عليها من طرف الغرب الاوربي والأمريكي معاً على أعقاب الاستعمار الكولونيالي. لا انقلابات عسكرية، لاثورات تقليدية ، لا اضرابات نقابية، لا زعماء و لا أبطال. المشهد يتميز هذه المرة بالجدة إذ أن  “الشباب” هو من اعلن اللعنة على وضع قار وجامد، ليس  من  داخل الجامعات أو الكليات كما كان الشأن في الماضي، ولكن من خلال الفيس بوك. في كل الأقطار العربية تقريباً ظهرت جماعات توحدت من خلال الفايسبوك على شعارات التغيير، شعارات تتشابه في الشكل والمضمون من اليمن إلى المغرب. في كل الأقطار العربية تقريباً تقدمت حركة تحمل إسم التاريخ الذي قررت فيه الخروج إلى الشوارع من أجل التظاهر. حركة 15 يناير، حركة 20 فبراير، حركة رابع أبريل ….الخ. كلها حركات تنادي بدمقرطة السياسة والمجتمع وبتبني القوانين الدولية فيما يتعلق بحرية التعبير، حقوق الإنسان ، المساواة بين الرجل والمرأة وغير ذلك من لوازم المواطنة الفعلية. ما يتميز به الوضع الآن في العالم العربي هو أن الحركات التي تضغط على الأنظمة المحلية لم تختر الارتباط  بالأحزاب أو التنظيمات السياسية القائمة. إنها حركات مستقلة لو سمحنا لأنفسنا ألا نخترف مؤقتاً ظواهر الأشياء. عبر الفايس بوك تمكنت هذه الحركات وفي ظرف وجيز تحسيس الرأي العام المحلي والدولي، كما تمكنت من إقناع، وبشكل غريب جداً (باستثناء تونس أبو زيد حيث أكلق البوعزيزي الشرارة الأولى) شرائح عريضة من المواطنين على الخروج للشوارع. كل هذا لم تحققه الأحزاب السياسية، يمينها ويسارها، منذ تنصيب الأنظمة العربية في خمسينيات القرن الماضي. وهذا بالذات ما يفرض علينا طرح بعض الأسئلة المنطقية، ثم محاولة العثور على أجوبة منطقية عليها.
السؤال الأول هو : أين تكمن قوة شباب الفايسبوك؟ من ينظمهم؟ من يقودهم؟ هل يسعون الى السلطة كما هو الشان لكل الأحزاب والتنظيمات المنخرطة في العمل السياسي؟ كيف يمكن تفسير فجائية الوضع في هذا العالم الجامد منذ وقت طويل؟ لماذا لم تعد الأنظمةالحالية  غير قادرة على القضاء على على هذه الحركات كما كان الشأن في السابق، مستعملة الآلة المعروفة؟  لماذا اختار الغرب الوقوف هذه المرة إلى جانب ” الشارع ” ضداً على حلفائه التاريخيين؟  هل يستطيع هؤلاء الشباب إخراج العالم العربي من حالة الحجز؟ ما هو رصيد هؤلاء الشباب في التسيير والتدبير؟ ولنكتف بهذا القدر من الأسئلة.
لقد قيل في الأشهر الأخيرة الكثير عما أصبح يسمى ـ ارتجالاـ بالربيع العربي، إلى درجة أن الجميع أصبح يؤمن بأن وقت القطيعة مع الماضي قد أدرك وأن مسلسل الدمقرطة لا رجعة فيه.  ” كلنا” يرى أنه لا ينبغي أن يكون هناك أي شك حول هوية الحركات التي تقود المظاهرات، خصوصاً وأن تجهيز الحالة قد تم بشكل يهيمن بسهولة على نفوس بشرية انهكها القهر. الناس لا يرغبون في تصديق نظرية المؤامرة ، لأن حجة الأمر تجلت هذه المرة بشكل ملموس حينما رحل إثنان من الرؤساء المحجور عليهم. بسبب الإحباط والقهر المهيمنين لفترة طويلة على العالم العربي ،أصبح المواطنون مستعدون على تصديق ما تراه العين، وما رأته العين إلى حدود الآن يجعل المواطن يعتقد أن بداية التحرر مستحيل إجهاضها هذه المرة. لقد حمل المتظاهرون والمعتصمون في المدن العربية شعارات مباشرة وبدون اعتبارات سياسية كما هو معهود، شعارات لم يسمعها الشارع العربي منذ عقود: ” إرحل” ، ” إطلع”، ” الشعب يريد التغيير” ، ” كفى ” ……الخ. حتى في المغرب حيث شخص الملك مقدس دستوريا ، رفعت مؤخراً في خنيفرة وطنجة شعارت ضده (ولو بشكل غير مباشر). يستعمل الناس، داخل وخارج العالم العربي، مفاهيم ثقيلة للتعبير عما يحدث: الربيع العربي ، الثورة ، رياح التغيير، وقت التتغيير الجذري ، نهاية الأنظمة الديكتاتورية  و أخيرا: بداية الدمقرطة. في الغرب ، لا يستطيع الناس يصدقون ما يرونه على شاشاتهم : العرب استيقظوا أخيرا. وقد سألني احد الصحفيين من القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية BBC مؤخرا عما إذا ستؤدي هذه الحركية في العالم العربي إلى مزيد (؟) من الاحترام للعرب في المهجر. وجدت السؤال حينها ساذجا بعض الشيء، لكنني أفهم الآن  كيف أن الإحباط والقهر قد يشوهان وعي المواطن والمواطن في العالم العربي “مسكون” بثقافة القهر: مقهور يفكر مقهوراً ويعيد إنتاج وعي مقهور.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن شعوب العالم العربي ترغب في الخروج من المأزق الذي وضعتها فيه أنظمتها. وكلنا شاهدنا على الشاشة كيف يضرم الناس النيران في أجسادهم تعباً من وطأة القهر، وكلنا يعلم أن آلاف الموطنين مستعدين للتضحية بأرواهم من أجل مستقبل أبنائهم. كل هذا لا يمكن التحايل عليه كما لا يمكن التحايل على واقع جلي هو أن الشعوب العربية خسرت كل شيىء ولا شيىء ستخاف عليه بعد: كرامة المواطن بيعت في المزاد العلني. لكن هنا يكبرسؤال من نوع آخر: ألا يحق لنا، ولو من باب الحيطة، الاعتقاد في حضور أطراف ثالثة  قد توجه عملية التغيير في دروب لولبية ستعود بهذه المنطقة بعد جولة تضليلية قصيرة إلى ذات الوضع الذي هي فيه؟
سنقفز مؤقتاً على هذا السؤال لنعود إلى الحركات الانتفاضية ذاتها بعد الصمت الرهيب “المخيف” الذي وصلت إليه الأوضاع في تونس ومصر، ما يزال المواظنون يتظاهرون في أكثر من بلد عربي، ولليبيا وضع استثنائي. ما يزال الشباب يخرج إلى الشوراع للمطالبة بالإصلاحات، مع التفاوت في حدة ونبرة المطالب. في البداية كان الشباب يكتفون برفع شعارات تصب كلها في المطالبة فقط  في إلاصلاحات سياسية واجتماعية، لكن مع مرور بعض الوقت تم الانتقال من هذه الشعارت ذات الطابع المطلبي المحدود إلى المطالبة برحيل الرؤساء والملوك، رموز أنطمة الذل.  في مصركان السيناريو أكثر إثارة وتشويقاً: الرئيس الذي لا يريد مغادرة القصر الرئاسي و المتظاهرون الذين رفضوا مغادرة ميدان التحرير، وفي يوم من أيام الله، وبشكل غير متوقع ، “قرر”  الرئيس الخروج من قصره. ونحن نعلم الآن ان الاميركيين لم يتخلوا عن هذا حليف التاريخي إلا بعد أن حصلوا من القيادة العسكرية المصرية على ضمانات مكتوبة بخصوص  الحفاظ على جميع المعاهدات المبرمة بين مصر وإسرائيل. هنا يصعد إلى السطح عنصر يزعج قناعة الربيع العربي ، عنصر يكمن في كون اللعبة تجاوزت في وقت معين المتظاهرين وارتفع المشهد ليتقلص في حدود رئيس مخدوع وصديق خادعع: مبارك والامريكيين. لو لم يقدم العسكريون الضمانات الضرورية لأمريكا وإسرائيل لما كان سهلا التخلص  من الرئيس، هذا امر يسلم به كل عاقل. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج التالي: لو لم يتخل الأمريكيون للضغط على الرئيس مبارك لظل في مكانه. تخلوا عنه مقابل ضمانات، لكنهم فوجئوا بوضع جديد لم يكن في الحسبان: ما ذا لو استغل الإسلاميون المناخ الجديد للاستفادة من “رياح ” التغيير التي لا نعرف بعد من أين هبت وأين سيكون مستقرها؟ هذا السؤال أصبح أقلق الغرب بعد أن تواصلت أصوات المطالبة برحيل الرئيس مبارك. أنذاك سمعنا هنا في لاهاي رئيس الوزراء الهولندي ينصح بالتريث وعدم الإلحاح على رحيل الرئيس لأن ذلك قد يفتح الطريق أمام إسلاميي مصر للوصول إلى سدة الحكم. هذا نفاق من طبيعة الحال، لكن علينا أن نتعود عليه لأنه يدخل في إطار عملية “تسويق العالم” التي تميزت به الحداثة. العيب ليس أن نكون منافقين وإنما العيب أن نكون فرائس سهلة للنفاق. وكأن الغرب يقول للعرب: نريد ” مباركين” جدد (جمع مبارك)، اما إسلاميوكم فلا. ونحن ندري ونعرف ان عين الغرب لا يمكن أن تتزحزح  من مواقع رصد العالم العربي، كما نعرف أن الغرب لا يمكن أن يسمح للعرب بإعادة ترتيب شؤونه الداخلية. الغرب لا يريد الديموقراطية في العالم العربي، إنه يريد  تصدير بعض “الديمقراطية”، هذه امور لا يختلف فيها إثنان. فإذا  نشأت ديمقراطية حقيقية في مصىر أو في سوريا، فستكون للغرب الأميركي  تحديداً خسائر كبيرة في المنطقة، لأن المصريون او السوريون سوف ينظرون آنذاك إلى مصالحهم القومية  قبل مصالح الغير كما كان الوضع عليه حتى الآن. يمكننا القول إذن، انطلاقاً من الاهمية التي توليها امريكا وإسرائيل معاً لبلد عربي كمصر، أن تعزيز الديموقراطية في هذه المنطقة الحساسة استراتيجياً سوف يتطلب من شعوبها تضحيات هائلة تستوجب التخلص، ليس من المدراء المحليين فقط وإنما من أسيادهم الغربيين. أمريكا وإسرائيل لن تسمحا بظهور ديموقراطية حقيقة في الشرق الأوسط، لأن ذلك سوف يؤدي في نظرها إلى استيلاء الحركات الإسلامية على السلطة السياسية. والحركات الإسلامية تلك تستفيد الآن داخلياً لكونها لم تكن يوماً في مواقع المسؤولية السياسية، عكس الأحزاب التقليدية التي بدات تحتضر لتنقرض. ستتصدر الحركات الإسلامية في العالم العربي الواجهة السياسية مستفيدة من الوضع وستقدم نفسها “منقذا” لشعوب فقدت مجدها بفعل ” الابتعاد عن الدين الإسلامي الحقيق” كما تلح على ذلك الإيديولوجيات الإسلاموية. وها نحن نشاهد المؤشرات الأولى لهذه الظاهرة التي هي الآن في طور التكون. ففي المغرب مثلاً كانت حركة 20 فبراير وهي حركة للشباب، هي التي تتظاهر في المدن المغربية،  لكن الآن قد حدث انجراف في تربة حركة 20 فبراير. فقط الأحزاب اليسارية وجماعة  العدل والإحسان هم من أعلنوا منذ البدء عن دعمهم لهذه الحركة، لكن لآن الكل أصبح الآن يسجل نفسه في سجل الحالة المدنية الخاص بحركة 20 فبراير، حتى السلفيون. وقدا خلق هذا التحول ارتباكاً كبيراُ لدى الدولة المغربية إذا لم تعد تدري من هو من ومن يمثل من ومن يطالب بماذا. موجة العنف ضد المتظاهرين في الدار البيضاء، تمارة، بوجدور، الرباط…الخ، لا يمكن تفسيرها إلا بإدراك الدولة المغربية للانجراف المفاجىء.
اختلطت الأشياء! لأن الأمر في نهاية المطاف، لا يتعلق بثورة يحكمها برنامج واستراتيجية واضحين. إنه انفجار قابل للاستعمال حسب اختلاف المصالح ، الغرب بالدرجة الأولى ومن ثم الأطراف المحلية التي ما تزال تتحين الفرص. لكن شيئا واحدا يجب ألا ننسىاه أبدا هو أن العالم العربي قد وُضعَ منذ زمن طويل تحت وصايةالغرب. شمال أفريقيا تحت وصاية فرنسا وإيطاليا، الشرق الأوسط تحت تصرف الأميركيين والبريطانيين. قد تلغى حالة الحجر هذه فقط إذا كان الحاجر مستعداً للتخلي عن مواثيق الحجر وعلى تقديم تنازلات عينية،  لكننا لا نرى الأسباب التي ستجعله يقدم على هذه الخطوة. كما لا نرى لماذا سيتخلى الغرب عن مصالحه في الشرق الأوسط لمجرد مساعدة العرب على الخروج من محنتهم. لا ينبغي أن نتصور ولو من باب الهذيان ان  الأميركيين سينسحبون طوعاً من المنطقة. الشيىء الوحيد الذي تغير في سياسة امريكا إزاء عرب الشرق الأوسط هو أنهم (الأمريكيون) ادركوا أن الرهان  على الدبابات و”مدرائهم” المحليين فقط غير كاف. اكتشفوا في الخمس سنوات الأخيرة أن سياسية الصدام التي قادها بوش ضارة بصورة الأمركيين في العالم. ومن أجل تلميع هذه الصورة يجدد الرئيس الحالي ما استطاع تجديده في سياسة إدراته إزاء الشرق الأوسط ويتحدث عن “الدمقرطة” أكثر مما يتحدث عن المواجهات. في هذا الإطار فكرت الإدارة الأمريكية الشروع في تطبيق بعض التقنيات التي كانت قد أبدعتها في السابق لتركيع الخصوصم في أمركيا اللاتينية، في منطقة الشرق الاوسط.. يتعلق الامر باستعمال المال من اجل شراء صداقات محلية تعمل من داخل المجتمع إما لتثبيت الوضع أو لتغييره، تثبيته إذا كان خاضعاً للإرادة الأمريكية وتغييره إذا كان معادياً لها. في عام 1983 ، أنشئت  إدارة الرئيس رونالد ريغان المؤسسة الوطنية للديموقراطية National Endowment for Democray (NED) . في تلك السنة عرض”برنامج الديمقراطية” على  الكونغرس الذي وافق يدون منازع. والهدف الرئيسي لهذه المؤسسة وهذا البرنامج هو  تمويل  أصدقاء أميركا في كل المناطق الاستراتيجية. وقد ركزت هذه المؤسسة إهتمامها  في البداية  على دول أمريكا الجنوبية مثل كوبا، نيكاراغوا، فنزويلا وبلدان أخرى. وقد أصبح معروفاً الآن حجم الأموال التي انفقتها المؤسسة الوطنية للديمقراطية في فينزويلابين سنة 2001 و 2006( 20 مليون دولار9. في هايتي أنفقت المؤسسة سنة 1990، 36 مليون دلار من أجل دعم المرشح للرئاسة مارك بازين، قبل ذلك كان ليش فاليسا قد وصل إلى الحكم في بولونيا بدعم مالي امريكي. في كوبا ، أنفقت المؤسسة الوطنية للديمقراطية ما يقرب على المائة مليون دولار منذ سنة 1996 لتعزيز وضع المعارضة” لكن دون جدوى. ثم رأينا كيف حاولت آلة الدعاية المضادة الممولة من طرف NED زعزعة وضع شافيز وتسويد صورته في العالم كما رأينا كيف استقبل العالم الصورة المطروزة بخيوط من ذهب لليش فاليسا في بولونيا. كل شيء يتم تحت عنوان “برنامج الديموقراطية”. حتى البلدان  الاشتراكية التي كانت تضغط من بعيد ضغط على كوبا، مثل رومانيا، بولندا وجمهورية التشيك، كانت تحصل على المال من المؤسسة الوطنية للديمقراطية. في نهاية الألفية الثانية رأى الاميركيون ان الشرق الاوسط لا يحتاج الدبابات فقط ، ولكن أيضا إلى ” الديموقراطية”. في هذا السياق دعا الرئيس بوش في عام 2004 مضاعفة ميزانية المؤسسة الوطنية للديمقراطية، وذلك حتى تتمكن من المساهمة في ضمان انتخابات حرة، حرية التعبير وحرية الصحافة في الشرق الأوسط. هكذا جعل الامريكيون العمل الإيديولوجي يوازي العمل العسكري المباشر، والعملية لا تكلفهم أية ميزانية إضافية لأن ما ينفقونه من اموال من اجل الحفاظ على الوضع القائم في الشرق الأوسط، يأتيهم من الدول العربية نفسها (أقصد عرب الخليلج).  إلى حدود سنة 2003 لم تكن المؤسسة الوطنية للديموقراطية نشيطة في الشرق الاوسط.، بعد ذلك التاريخ فتحت مكتبا لها في أفغانستان لدعم المنظمات غير الحكومة في البلد. من أفغانستان عملت المؤسسة الوطنية للديمقراطية أيضا على تمويل العديد من المنظمات غير الحكومية في العراق، ولا سيما في الشمال. هذه المنظمات غير الحكومية التي تستفيد من التمويلات الامريكية تتحول اوطوماتيكياً إلى أدروات مسيرة من واشنطن وفق هدف محدد سلفاً. والربح الذي تحققه امريكا من خلال هذا النوع من العمل السري يضاهي أو يفوق أحياناً ما تحققه من خلال التدخل العسكري المباشر. لا احد يلوم امريكا ان ظهرت في سوريا الآن تنظيمات سياسية تطالب برحيل الرئيس الأسد، لأن ذلك يبقى أمراً ” داخليا” ولو وأن أمريكا هي من هيأته سراً. لكن إذا تدخلت واشنطن عسكرياً في سوريا كما فعلت في العراق، فستزيد صورتها وسخاً. لهذا يفضل الأمريكيون الآن أن يشارك الجميع  في الديموقراطية الموجهة والمراقبة. إنهم يتدخلون بشكل رهيب من اجل دمقرطة العالم العربي حفاظاً على مصالهم وليس حباً في العرب كما هو معروف. يسخرون مؤسسات مالية تحت غطاء ” العمل الخيري” لشراء جنود الخفاء لاستعمالهم في الخفاء أيضاً. في السر يتم تمويل العديد من مشاريع ” الدمقرطة” وما يزالون يخلقون هيآت مالية تخرج عن إطار المحاسبة من طرف الكونغرس وميزانيتها تتضاعف سنوياً حسب اهمية المشاريع المنشغلة بها. باختصار ، إن الأميركيين يريدون تصدير “الديمقراطية” إلى البلدان التي ترغب أو لا ترغب فيها، إنهم يقررون متى وأين يجب أن تصدر “الديمقراطية” لكي لا تظهر هناك ديموقراطية طبيعية.
حسناً، الربيع العربي! هل يمكن لنا وضع تشخيص سليم في وسط هذه الضوضاء، وهل سيكون تشخيصنا مجدياً في هذه الحالة؟ ما هي أدواتنا لوضع تشخيص سليم ونحن نعلم أن الوضع اختلطت فيه الأشياء بشكل فظيع ومستفز في نفس الآن؟ هل يحق لنا ان نتهم شباباً ينتفض ضد القهر وما هي حجتنا؟ هي يحق لنا أن نستمر في الي السذاجة وننزه ما يحدث الآن فقط لأننا متعبين من خمول الوضع؟ ألا يحق لنا أن نشك في كل شيىء حتى تتوفر شؤوط الاقتناع؟ وإن كنا نصفق لحركات التغيير ونحن نريد التغيير، فمن يضمن لنا أن المؤسسة الوطنية للديموقراطية ليست حاضرة في القاهرة، صنعاء، دمشق بل وحتى في الرباط؟ من كان يتعقد سنة 1990 أن النقابي ليش فاليسا وصل إلى القصر الرئاسي بدعم من المؤسسة الكريمة، ألم يكن هو المناضل المنزه هن كل الشكوك؟ من الأجدر إذن أن نتريث قليلاً وألا نسارع إلى إطلاق أحكام وتأويلات عاطفية تتعالى على الواقع. لقد امتلاءت العواصم العربية بالامل في والتصفيقات لحركات الفايسبوك وكأننا من جديد في زمن المعجزات. ينبغي أن نتذكر المثل الفرنسي القائل: احتط مما تطلبه، قد تحصل عليه وستكون في ورطة. قد تؤدي العواصف التي تملىء سماء العالم العربي الآن إلى تغييرات تفرز وضعاً أسوأ من الوضع الحالي.
ماي 2011

Comments are closed.