لا للكهنوت في الإسلام

لا للكهنوت في الإسلام

أجري هذا الحوار في الثامن من يونيو 1995 في العاصمة الفرنسية باريز وهو أخر حوار يقدمه المستشرق الفرنسي جاك بيرك قيب أن يتوفى يأسبوع . نشر الحوار آنذاك في في جريدة الإتحاد الاشتراكي واعيد نشره الآن نظراً لراهنيته.
س: الاستاذ جاك بيرك، قرأتم القرآن وترجمتموه إلى الفرنسية على شكل تفسير وليس ترجمة عادية. لغة القرآن لغة إعجاز كما اتفق على ذلك كبار علماء المسلمين. هل لمستم شيئاً ما من هذا الطابع الإعجازي في لغة القرآن؟
ج: هذا صحيح، ترجمتي ليست في الحقيقة ترجمة بالمعنى الكامل بل هي في الحقيقة محاولة، محاولة المحال، محاولة المستحيل.
س: هذا يعني أنه كانت لديكم صعوبات في القراءة والترجمة؟
ج: نعم لأن النص القرآني يتضمن سهولة الظاهرة، سهولة تجعلك تظن انك تفهم ما يقال يسهولة. لكن إذا استمعت بمواظبة إلى هذه الظاهرة ستلاحظ أن هناك معاني تتكثف في كل كلمة وفي كل صوت من أصوات أي لفظة كانت من الألفاض الجميلة. تتكاثف المعاني إلى درجة غريبة، ليس على مستوى واحد بل على مستويات متراتبة مع بعضها. من هنا صعوبة الترجمة وكما سبق لي أن عبرت على ذلك، الترجمة مستحيلة. إذن بدلا من فهم الترجمة كترجمة، ينبغي ان نقول أنها تفسير، تفسير القرآن بلغة
اجنبية.
س: جمع القرآن عشرات السنين بعد وفاة الرسول، جمع اعتماداً على ما يعرف بالتواتر. ماذا عن البنية التراتبية للآيات والسور، هل توافق نفس التراتب الزمني والمرجعي الذي أتي عليه القرآن في الأصل، أي كما أتى على لسان محمد؟
ج: القرآن نزل، أو أنزل بطريقة مشتتة، بطريقة تنجيم أو بطريقة منجمة. جمعت تلك الآيات المنجمة بعد جيل كامل، عشرين سنة بعد وفاة الرسول. آنذاك كلف الخليفة عثمان بن عفان شبه لجنة فيها زيد بن حارث وآخرون. كلفهم بالتقاط الآيات التي كانت في ذاكرة الحفاظ وغيرهم فجمعوا ما نسميه اليوم بالكتاب.
س: إسمحوا لي أن اعود هناك إلى كتيب بالهولندية مع أنني اعرف أنكم لا تقرأون الهولندية. قرأت في هذا الكتاب أن الخليفة عثمان انجز سبعة نسخ من المصحف، إحدى هذه النسخ ما تزال إلى حد اليوم محفوظة في طشقند حسب المؤلف. هل لديكم معلومات أكثر في الموضوع؟
ج: يقال أن بعض النسخ بقيت مزوعة في بعض البلدان، البعض في سمرقند والبعض الآخر في عدن…..إلخ. لكن لا أملك إثباتات لذلك، يقال ويجوز ان يقال، لماذا لا توجد. يقال أيضاً انه وجدت بعض رسائل النبي، الرسائل التي بعث بها إلى ملك الروم والحبشة. أحياناً نسمع ان تلك الرسائل وجدت في الموضوع الفلاني، يجوز، لكن لابد من التحقيق العلمي.
س: نعم، التحقيق العلمي أهم شيىء. اعود الآن شهرين أو ثلاثة إلى الوراء. حينما كنتم في المغرب للحديث عن تفسيركم للقرآن. لم أكن حاضراً لكن أصداء اللقاء وصلتني. سمعت أنكم أثرتم مع الحاضرين مشكلة الإضافات والزيادات في القرآن. هلا تفضلتم بإيضاحات اخرى؟
ج: الآيات المضافة؟ اللات والعزى! يجوز، فالحكاية معرفوة. إنها الآيات التي ألهمها الشيطان في ذهن الرسول وحينما ادرك ذلك ألقاها تماماً. لكن بعض المستشرقين كتبوها وأخذوا بها في كتاباتهم، وهذا عن سوء النية نحو الإسلام.
س: معنى هذا أن القرأن سليم كما هو الآن، سليم من التحريفات؟
ج: سليم سليم، وسليم. لماذا أستطيع ان أقول ذاك؟ لان النص الذي تحت أعيننا خرج من القرون، من خمسة عشرة قرناً بدون أي احتجاج، بدون إدانة من أية ملة. كما تعرف، لقد افترقت الملة الإسلامية إلى سبعين ملة من شيعة، خوارج وغيرها. سبعون ملة ولا واحدة منها نكرت النص القرآني. لو كانت هناك شبهات في النص لكانوا أدانوا النص القرآن الذي وصل إينا من خلال ما يسميه الفقهاء بالتواتر، أي شهادة الجميع، شهادة الأمة.
س: لو سمحتم، اود الآن الانتقال إلى ما هو معاصر. هناك في العالم الإسلامي نموذجان، قل ثلاثة نماذج: السعودي، الإيراني والنموذج الثالث هو ما يمكن أسميه بإسلام الرفض والممانعة وهو ما تعبر عنه الجماعت الإسلامية المعرفوة بالأصولية سواء في الجزائر، مصر، السودان …..الخ. أي نموذج ترون فيه عناصر الاستمرار والبقاء؟
ج: كل مجتمع داخل في التاريخ، المجتمعات الإنسانية داخلة في التاريخ. لابد إذن الجمع بين الأصالة والتجديد. ما هي الأصالة بالنسبة للمسلمين؟ الأصالة عندهم هي الدين. ما هي الحجة؟ الحجة الكبرى والقاطعة بالنسبة للدين الإسلامي هي القرآن. هذا جواب لكم. ثم هناك مسألة الابتكار والاتجاه إلى الامام. هذا عامل ثان لابد أن يتركب مع الاول لكي يكونا معاً المسائل اللازمة للامم العربية الإسلامية. هذا إذا وفقت في الجمع بين الإثنين، أي بين الأصالة والتجديد، هذا الامر يخصكم ويخصناى كذلك، لا يخص المسلمين فقط بل كل الأروبيين وكل أمم العالم.
س: هل يمكن أن أفهم أن الإسلام هو آهر فرصة أمام المسلمين… بعد فشل مشاريع التحديث على النمط الأوروبي للنهوض من جديد؟
ج: لهم فرص كثيرة، لان هناك قاعدة، قاعدة ثقيلة ومتينة مفادها انه ليس في السياسة فشل قاطع أبداً ولا نجاح قاطع أبداً. إذا نجحت لابد أن تخشى السقوط ولو فشلت لابد أن تأمل النهوض.
س: سأنقلكم الآن إلى القارة السوداء، إلى السودان بالضبط. هناك المشهور حسن الترابي، صاحب مشروع إسلامي كبير، يسميه بالاممية الإسلامية. إن نحن قارنا هذه الأممية مع الحركات النهضوية التي كانت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هل هناك ما قد يجمع بين هذه وتلك؟
ج: أجيبك بشكل عام. الحركات التي تستلهم من الوثيقة الأصلية، أي القرآن، لابد ان تستلهم ما هو حقيقي فيها. وما هو الحقيقي؟ الحقيقة التي سمعتها من أبيك وجدك ام الحقائق التي تكتشفها انت بطرق علمية متجددة؟ هذا سؤالي أنا ، الجواب سهل. العلم يتجدد وفهمنا لأمهات الكتب وامهات التراث يتجدد. الآن أقرأ – أتكلم افتراضاً كاني مسلم- القرآن بعيون متجددة، بطرق تجددت وتحت إناة العلوم الألسنية التي خطت خطى عملاقة في القرن العشرين. كيف لا؟ لن أستطيع قراءة نص قديم بدون استعمال تلك الأساليب. لو فعلت لأصبحت رجلاً رجعياً، رجلا مدفوناُ في الماضي، خصوصاً ما يتعلق بالنص الذي أريد أن أستلهم به.
س: أعود الى إلى إشكالية التحديث. هناك باحثون، أساتذة كبار يرون أن الإسلام ضد التحيث. فالمشروع الحضاري والحداثي  في الغرب لا يمكن في نظرهم أن يوجد في البلدان الإسلامية ما لم تتحقق هناك العلمانية. ما رأيكم؟
ج: أولا لا بد ان تعرف ما هي العلمانية. لو فهمت أن العلمانية ضد الدين فأنا موافق، لكن هناك تعاريف أخرى للعلمانية. في فرنسا القرن الماضي فهمت العلمانية على أنها ضد الكنيسة أو انها مقاومة الدين كدين. ولكن هناك كما قلت قراءات أخرى للعلمانية. ما هي العلمانية إذن؟
العلمانية الآن تتخذ الأصول التي تقدم إليك تحت إنارة شعورك وذهنك الشخصي. هذه هي العلمانية. انطلاقاً من هذا يجوز أن تكون هناك مجتمعات كهنوتية، دينية كانت أو لا دينية. فالمجتمع السوفياتي كان مجتمعاً كهنوتيا لان القواعد هناك كانت إجبارية بدون إنارة نقدية لهذه القواعد التي تنفذ على الأشخاص. لو كانت لديهم إمكانية الفهم، الفهم النقدي، الإنارة الذاتية عليها، لصار المجتمع السوفياتي مجتمعاً علمانياً. ما قيل عن تلك القواعد لدى السوفيات يمكن قوله أيضاً على قواعد الدين. إن كنت مجبراً عنها بدون استعمال رأيك الشخصي، فهي كهنوتية. بالنسبة للقرآن فيدعو إلى استعمال العقل ويذكر كلية عقل عشرات المرات، عشرات المرات ذكر فيها العقل. ينادي ذوي الألباب ولكن الكثير من المشايخ لا ينتبهون إلى هذا النداء.
س: هل يمكن أن أفهم أن المسلمين اليوم ليسوا في مستوى الإسلام أو مستوى القرآن؟
ج: أنا أود ان ينظر إخواننا المسلمون إلى البلاغ القرآني- إسمه البلاغ- بنظرة تستعين بنتائج العلوم المعاصرة وتحت إنارة الشعور المعاصر.
س: وصلنا الآن إلى ما يعرف بالإسلام السياسي الذي انتشر وتطور بشكل أوسع. نهاية القرن العشرين تتميز باندلاع الاضطراب والتوتر من جديد بين الغرب – أستعمل كلمة غرب بتحفظ – والإسلام، حيث أننا نجد أستاذة كبار، خصوصاً في أمريكا يتكلمون عن الخطر الذي يشكله الإسلام بالنسبة للغرب. ما رأيكم في الموضوع؟
ج أنا ضد ذلك التفسير. بالنسبة إلي، لم يكن الإسلام أبداً خطراً بل حليفاُ وصديقاً، خصوصاُ بالنسبة لفرنسا. بل أقول أن من مصلحة فرنسا أن تتحالف مع الإسلام والعرب ضد” الغمور” في أمواج العالمية الكاذبة التي تريد أن تغمر الكل بعدما تم استقطاب العالم كله تحت سيطرة واحدة. الحليفان هما فرنسا والبعض القليل مثلها، ثم العرب والإسلام.
س: بودي أن نبقى شيئاً ما  في هذه النقطة. هناك روابط تاريخية بين الإسلام وأروبا. كانت بينهما علاقات وثيقة على المستوى الفكري العام، العملي وعلى مستويات اخرى. كيف أصبح هذا الإسلام اليوم خطراً مع انني لا أرى هناك إسلاماً آخر غير السعودي، الإيراني وإسلام عامة المسلمين. الجميع في خندق التخلف والتاخر الاقتصادي والسياسي. أين هو الخطر إذن، وإن لم يكن فلم هذه الضجة في نظركم؟
ج: هناك سببان رئيسيان حسب رأيي: النزوع نحو التوسع من جهة والصهيونية من جهة أخرى. في ذهني هذان السببان.
س: هناك معلومات تقول أن أمريكا ساعدت الحركات الإسلامية التي رفعت اليوم شعار الإسلام السياسي الذي ” يخيف”. خذ مثلاً الأفغان اثناء الحرب السوفياتية الأفعانية. هناك أيضاً من يقول أن إسرائيل ساعدت حركة حماس الفلسطينية لضرب وحدة منضمة التحرير الفلسطينية
ج: لأن في نظر الأمريكان تتركب مستويات الشياطين. هناك شيطان أكبر وهناك شيطان أصغر. الشيطان الأكبر هو الشيوعية والشيطان الآصغر هو الإسلام. استعانت أمريكا بالشيطان الأصغر لضرب الأكبر وحينما يسقط هذا الأخير يأتي دور الشيطان الأصغر. أمريكا تحب الآن بعض المسلمين، لكن من هم هولاء المسلمين الطيبين؟ البوسنيون والشيشان، لماذا؟ لأنهم ضد الشيوعية، ضد الشيطان الأكبر.
س: لازمت الإسلام السياسي مآسي كثيرة، في الجزائر، في مصر، السودان وحتى في بلدي (المغرب) احتمل…
ج:مع احترامي الكلي للإسلام ككل أقول أن هذا النزوع الإسلامي داخل الكلية الإسلامية هو تطرف للإسلام ويتضمن إسلاماً خاطئاً. لماذ هو خاطىء؟ لأنه اخطأ في فهم ما هو الإسلام. الإسلام الذي ينظرون إليه هو إسلام انكمش بعد سقوط المدارس الفقهية الكبرى بعدما جعل الأمراء الأسيويون أيديهم على الخلافة في بغداد. حدث هذاا في منتصف القرن العاشر. في زمن إقفال باب الاجتهاد. ما يسمونه بالشريعة تكون حينئذ. أما الشريعة الحقيقية فهي التي كانت من قبل، في زمن النبي وبعده بقليل، في وقت الصحابة، التابعين وتابعي التابعين.
س: كانت هناك أصوات تناقش الإسلاميين كفرج فودة الذي اغتيل مع الآسف….
ج: هناك الكثير. هناك شريحة موجودة تفهم تلك الحقائق، لكن مع الأسف الشديد عندي، انقسم الشباب العربي منذ جيل أو اكثر إلى قسمين: القسم الذي أخذ بالمعاصرة، اخذ أيضاً بالاغتراب، تفرنج تماماً إلى درجة أنه لم يفهم الدين وحتى حقائق التراث تخلىة عنها. القسم الثاني الذي التزم او لازم التراث الديني بقي غريباُ على ما يسمى بالمعاصرة. وقعت فجوة خطيرة بين الإثنين، فجوة وعدم التفاهم. أنت مغربي، ما يسمى بالمغرب الأقصى أو مراكش. كنت مرة في المغرب لإنجاز بحث أكاديمي حول باحث مغربي يدعى اليوسي الذي ينتمي إلى القرن السابع عشر، إنسان عبقري. كتب كتاباً  عنوانه ” القانون” يتكلم فيه على كل العلوم منها الرياضيات. أحببت أن احقق في درجته من علم الرياضيات مقارنة مع الرياضيين الكبار، العرب الشرقيين. حينئذ كان في باريز أستاذ مصري أعطيته الكتاب وطلبت منه أن يقرأه ويدلني على محتواه، هل يوافق علم هؤلاء العلماء العرب الكبار أم لا. بعد شهر أعاد لي الدكتور المصري الكتاب وقال لي انه لم يستطع أن يقرأه. لماذا؟ لأنه مكتوب بالحجري. هذا رمز الفجوة الخطيرة والمخيفة بين قسمي الشعور الفكري الشرقي اليوم.
ملاحظة: كان الحوار باللغة العربية والنص أعلاه أوردناه كما هو بدون تصرف.

Leave a Reply