عبد الكريم ليس مغربياً؟

عبد الكريم ليس مغربياً؟

ليس ما يروج مؤخراً من سجالات، غير برئية في العمق، حول نقل رفات عبدالكريم الخطابي إلى المغرب هو ما دفعني للتفكير في خطاب هذا المقال. ما دفعني هو الحرص على الاستمرار في الحديث عن عبد الكريم، عن تجربته السياسية، عن اخلاقه السياسية وعن استراتيجيته التحديثية مهما عظم التجاهل الرسمي. أعي تمام الوعي انه كتب الكثير عن عبد الكريم من طرف باحثين ودارسين يحركهم هم التنقيب عما دفن في جسم تاريخنا الحديث، وأنا هنا لا أكتب عن عبد الكريم. وعيي أن هناك الكثير من الكتابات يلازمه وعي آخر يلح على ضرورة الحديث المستمر والدائم عن رئيس أول جمهورية في العالم الإسلامي قبل ان تنهار الخلافة العثمانية نهائياً سنة 1922.

بمبادرة من مجموعة من المهتمين بتجربة عبد الكريم أعلنت سنة 2013 سنة خطابية، وفي هذا الشهربالذات انعقدت سلسلة من الأنشطة داخل وخارج المغرب إحياءً للذكرى الخمسينية لزعيم حرب التحرير في المغرب. لكن ما يلاحظ في هذه الأنشطة هو انها تقام في نطاق محدود جداً ثم أن القائمين بها هم أهل الريف فقط، والامر ليس فيه في الواقع أي نوع من الغرابة إن نحن قلنا ان الرباط لا تريد أن يكون عبد الكريم مغربياً. وانا انزع من ذهني هذه الملاحظة أوحيت مباشرة بملاحظة جديدة تتعلق بمغربية عبد الكريم. هل كان عبد الكريم مغربياً؟ الجواب سهل للغاية وهو أنه لم يكن مغربياً، إذ حينما غادر المغرب سنة 1926 لم يكن يتوفر على بطاقة هوية مغربية، ولا أعتقد انه حصل عليها أثناء إقامته  بالقاهرة. هل يعني هذا ان الرباط منسجمة مع ذاتها إن هي تجاهلت الرجل الذي زعزع أركان الجيش الإسباني وبعده الفرنسي؟ إن كان هذا هو ما يبرر هذا التجاهل فسوف لن يكون في ذلك أي حرج. لكن ماذا لو قلنا أن عبد الكريم لم يكن يتوفر على بطاقة هوية مغربية لأن المغرب في حينه كان قد رهن بدون شروط. المغرب الذي كان سيطلب منه عبد الكريم بطاقة الانتماء كان مشروعاً فقط، لذلك ليس من المنطقي أن نقول أن الرباط تتجاهل عبد الكريم فقط لأنه ليس مغربياً لكونه لا يتوفر على بطاقة هوية. الرباط تتجاهل عبد الكريم لأن أخلاقه السياسية تهدد سريالية سياسة الرباط.

أتحدث عن التجاهل، لكن في واقع الامر هناك ما قد يشبه مؤامرة. فحينما زار وزير الداخلية الإسباني في يوليوز السنة الماضية موقع أنوال رافقته قوات أمن مغربية إلى عين المكان. أن تكون الرباط على هذا القدر من اللبقاة السياسية أمر تحسد عليه، إذ كان من اللازم أن تضمن سلامة الرجل الإسباني. لكن مصدر الوجع يكمن في كون حكومة الرباط قالت آنذاك أنها لم تكن على علم بزيارة الإسبان لموقع أنوال. الكذب من الأمور التي تحرمها كل الأديان السماوية والعرفية، وحكومتنا يقودها إسلاميون، لكن مع ذلك أقدمت على نفي علمها بالزيارة. وقبل أن نتهمها بالكذب، خصوصاً ونحن نعلم أن الرباط تكون في معظم الحالات ليست هي نفس الرباط، لنقل أننا لم نكن نعلم. وها نحن الآن نعلم، فلم لم يتم التحقيق في الموضوع؟ هل يعقل أن تقول حكومة بلد ما أنها لا تعلم بزيارة وزير أجنبي يدخل بلدها بشكل رسمي وليس سائحاً؟ عار على حكومة الرباط أن تتعامل مع الأشياء بهذه السفاهة والجبن.  نهتم بالمقالع وهي تقلع باستمرا، بالـ”كريمات” وهي قائمة وحليمة هي حليمة، نهتم بالفساد المالي وعنوان البلاد بأكلمها هي الفساد بالبنط العريض، نهتم بقشبال وزروال، بالحمداوية، بالكسكس، بالبرلمان..الخ. نهتم بكل شيىء إلا ببناء شخصيتنا الوطنية من خلال إعادة ترميم تاريخنا البطولي. نحتفظ بالتاريخ المزور الذي يربي فينا خصال الذل، الإهانة، الغبن والرذيلة. تلاميذ المدرسة في العراق مثلاً يتلقون في شعبة التاريخ دروساً حول حرب الريف التحررية، هذا ما اتضح لي من خلال حديث صديق لي عراقي مقيم بهولندا. أين نحن من عبد الكريم؟ مرة أخرى، لماذا لم يزر أي سياسي مغربي إلى حدود اليوم موقع أنوال، إغريبن، واد درعة، شفشاون ومواقع أخرى من أجل الترحم على أرواح شهداء كانوا يدافعون عن العرض. هؤلاء حموا العرض المغربي ورباط اليوم تبيحه وتستحله للخليجيين وغير الخليجيين. هل نعلم أننا تجاوزنا ماليزيا في الدعارة؟ وعهارتنا السياسية جعلت منا بلداً يتفنن في نسج الكذب وتصديقه: ” عشنا ربيعنا بهدوء”، ” قمنا بثورة في هدوء” ، ” انتقلنا إلى الديموقراطية في هدوء”، “حققنا إصلاحاتنا في هدوء”… نطذب على أنفسنا في هدوء، نضحكم على أنفسنا في هدوء، يضحك علينا الغير في هدوء، نتفرج على البرلمان في هدوء، نقاد كالقطيع في هدوء، ننام في هدوء، نستيقظ في هدوء. كل شيىئ هادىء وراكد ركود ماء البحيرة. قمة المجون الأخلاقي.

في فاتح يونيو 2012 قررت إسبانيا، من خلال ظهير ملكي، منح فيلق قناصي القنطرة 14، أعلى درجة عسكرية إسبانية، وهي درجة Cruz Laureada de San Fernando. القيادة العسكرية الإسبانية عللت موقفها هذا بما يلي: ” من أجل الاعتراف بالعمليات البطولية التي تمت ما بين 22 يوليوز و9 غشت 1921، حينما قدم الفيلق الحماية للقوات الإسبانية التي انسحبت من مواقعها بأنوال إلى جبل العروي حيث استشهد جزء كبير من أعضائه: 28 من ضباطه من أصل 32 و 523 جندي من أصل 685″. بغض النظر عن محتوى هذا المبرر وبغض النظر عن الأسباب الحقيقة التي ألهمت حكومة مدريد اليمينية إلى القيام بذلك، يبقى هناك شيىء ثابت لا يمكن التغاضي عنه وهو الآتي: إن كان لأحد أن يعتز بما حدث في معركة أنوال واخواتها فهم المغاربة وليس الإسبان. لكن المغاربة لا يعرفون الشيىء الكثير عن عبد الكريم لأن كتب التاريخ الرسمية خالية من أية معلومات حول هذا الرجل ولأن الرباط مصممة على عدم التوبة.

هل هي صدفة أن تخلو الكتب المدرسية من أية إشارة إلى الرجل الذي ما يزال يحاكم الرباط يومياً على نتانتها في التعامل مع القضايا الوطنية؟ مصلحة من تخدمها الرباط من خلال مساعيها الدائمة إلى استصغار تاريخنا الوطني؟ ماذا كانت الرباط ستخسره لو انها وضعت لجنة خاصة لإحياء السنة الخطابية؟ إنها أسئلة ساذجة، لكن ليس كل ما هو ساذج لا نفع فيه. السذاجة في طرح أسئلة من هذا النوع تفضح الخبث السياسي الذي يتحكم في التعامل مع تاريخ ينبغي على المغاربة أن يعتزوا به، ومعرفة التاريخ تقي دائماً من أزمة الهوية. نحن لدينا تاريخ، لكنه مزور في معظم ثناياه وما لم يكن قابلاُ للتزوير تمت تسميمه. وفي إطار التزوير تم القضاء على بقايا مقر قيادة ثورة التحرير في أجدير (الحسيمة)، كل ما لديه علاقة بعبد الكريم يتم إبعاده. لماذا؟ لان الرجل ترك أخلاقاً سياسية وراءه تخيف من لا اخلاق لهم، نعم أقول أن في السياسة أخلاق على قدر ما فيها من خدع. فمن خلال مراسلاته مع بعض رجال الحركة الوطنية كالمرحوم عبد الله إبراهيم يتضح أن عبد الكريم كان يكره التحايل والكذب على الشعب. كان ينادي من القاهرة إلى الخروج من التقية السياسية لأنهت ستقود البلاد إلى أسفل الدرجات. كان عبد الكريم يدعو المعارضين آنذاك أن يكونوا معارضين قولاً وعملاً وليس قولاً فقط. قبل خمسين سنة كان الرجل يرى أننا سنتخلف سياسياً، اقتصادياً وعلى الأخص ثقافياً. من يريد أن يصدق سياسيي الرباط وإعلامهم فليفعل، لكنننا كشعب مغربي نحمل كل مواصفات شعب مفلس. كل المؤشرات السياسية (النفاق والكذب)، الاقتصادية (فساد)، الثقافية (ركود وتحجر) والأخلاقية (كوكطيل) والسوسيوسيكلوجية (شخيزوفرينيا جماعية)، حاضرة لدينا بشكل أو بآخر. ثمة واقع أريد أن أصفه وبإيجازللقارىء داخل المغرب وهو واقع الجاليات المغربية في أروبا. لا يوجد أي بلد أوربي واحد لا يشتكي من المهاجرين المغاربة مع أن أروبا تستضيف جاليات من مختلف بقاع العالم، فهل هي مؤامرة؟ ميز عنصري؟ أبداً، كل ما في الأمر هو ان المغاربة يفتقرون إلى المرجعية المشتركة، إلى الشخصية المشتركة، إلى وحدة الوطن كوحدة ثقافية تغطي الوحدة الجغارفية وتتجاوز الوحدة الإدارية (بطاقة هوية مغربية). ضعف كل هذه المكونات تنتج عنه ازمة هوية وأزمة الهوية لا يمكن معالجتها إلى بمعرف الذات بما في ذلك تاريخ تلك الذات ذاتهاكما أن أزمة الهوية تشل شخصية المعني بالامر، وهذا ما يحدث لدى المغاربة.

على الرباط ان ترمم ما أفسدته في الذات السياسية لعبد الكريم الخطابي من خلال الصمت والتجاهل، عليها ألاً تعتدي عللى التاريخ المشترك لهذا الشعب الذي قدر له الله أن يعيش على الأوهام والخرافات. على حكومة الرباط أن تطالب، كما تفعل البلدان التي تحمي كرامتها، إسترجاع الأرشيف الذي صادرته فرنسا حينما نفت عبد الكريم. على حكومة الرباط أن تطالب إسبانيا وفرنسا بتقديم الاعتذار لأهل الريف. على حكومة الرباط أن تنشىء مركزاً ثقافياً تعاد إليه كل الأشياء التي صودرت بعد نفي عبد الكريم. نعم، إنني أعي أنني أنشد للأصم، ومع ذلك سأبقى أنشد. قد يشفى الأصم بقدرة الباري تعالى جل جلاه.

Leave a Reply