الكائن الإخواني

الكائن الإخواني

تنبأ الكاتب نجيب محفوظ (1911-2006) بجزء من الأحداث المأساوية التي تسببت فيها حركة الإخوان المسلمين بمصر حين قال: “إن مصر تريد أن تجرب الإخوان، والتجريب كما تعلم يعني الكشف والتمحيص والتيقن ثم الحسم النهائي واتخاذ الموقف الصائب” (أخبار الأدب).  ولعل التجريب كان حتميا بسبب الحشد المالي والإعلامي والدعم الأجنبي والتضليل باسم الدين الذي لجأ إليه الإخوان منذ تأسيس الجماعة سنة 1928 من طرف حسن البنا (1906-1949). و”البنا” لقب له، أما اسمه الكامل فهو: حسن أحمد عبد الرحمان محمد الساعاتي. وما يدعو للاستغراب هو التعامل بذاكرة مثقوبة أو بجهل فعلي مع تجربة حركة الإخوان. فالمتأمل في تاريخ حركة الإخوان لا يجدها إلا حركة سياسية تستعمل الدين وتستغل جهل العامة وتستثمر في المجال العام باسم الموروث العام الذي هو الإسلام للوصول للسلطة وممارسة الحكم الاستبدادي الديني سياسيا وعسكريا. ولقد أثبتت سنة كاملة من  حكم الإخوان كجماعة (متمثلة في حكم مكتب الإرشاد لمصر عبر محمد مرسي المكلف بالرئاسة في هذا المكتب) على استبدادية الجماعة عبر ممارسات إضفاء الطابع الإخواني على مؤسسات الدولة والترهيب والتخويف واستغلال المناصب وتدمير فكرة الوطن والتعامل مع إسرائيل وأمريكا كحليفين حميمين.

لذلك لا يجب أن نستغرب ما قاله عن الجماعة أيمن فايد (مستشار القاعدة السابق): “الإخوان كبيرهم مأجور وصغيرهم مضلل”. مؤكدا على أن الإخوان يستعملون العنف “لترهيب أصحاب الأقلام التي تكشف الحقائق المرة لتاريخهم الأسود”.

والمتتبع لتاريخيهم اعتمادا على المراجع المؤيدة والمناوئة لهم  يستنتج تورطهم في ملاحقة معارضيهم واللجوء للتدمير والخراب (هناك من يرى أن لهم دورا في حريق القاهرة سنة 1952). فهم مهووسون بمصلحتهم المركزية المتمثلة في الوصول للسلطة مهما كان الثمن الذي يدفعه الناس. وهذا ما تعبر عنه بوضوح الإخوانية عزة الجرف (الملقبة بأم أيمن) من خلال ما كتبته على صفحتها في شبكة التواصل الاجتماعي (19 غشت 2013): “إن مقتل 24 جنديا اليوم هو حادث بسيط. ما الذي سوف يحدث للجيش الانقلابي الكافر والشرطة الفاجرة عندما تأتي مجنزرات وطائرات الناتو؟ سوف يركع الجيش المصري للإخوان ولن نرحمهم. وبإذن الله سوف يصدر مجلس الأمن قرارا لصالح الإخوان وتتحرك الطائرات والقوات العسكرية لحلف الناتو لضرب الجيش المصري الخائن وتحرير مصر ويرجع الزعيم مرسي إلى مكانه بالاتحادية (القصر الرئاسي) معززا مكرما”. ونجد نفس المضمون بنفس الروح الإجرامية في ما كتبه الدكتور محمود غزلان الناطق الرسمي باسم الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد وصهر خيرت الشاطر (بتاريخ 02 سبتمبر 2013) على صفحته في شبكة التواصل الاجتماعي: “ستأتون إلينا زاحفين باكين تترجونا وتأملون أن نسامحكم، ولكن لن تأخذنا بكم رأفة وسندق أعناقكم وحناجركم. يا أهل مصر لقد أتينا لننقذكم من الجاهلية والكفر وعصور الظلام التى كنتم تعيشون بها، فهل هذا هو جزاء الإحسان؟”

سنلاحظ،إذا تجاوزنا العمالة الظاهرة للغرب، الحقد والروح الإجرامية وانعدام أية صلة بالوطن وكراهية الجيش الوطني والولاء المقدس للإخوان والسطحية الفجة في تناول الأحداث والتعامل بقسوة لا إنسانية مع اغتيال جنود شباب أبرياء ينتمون للطبقة الشعبية الفقيرة والتهديد والوعيد والإفصاح عن النزوع الإرهابي.

وإذا كانت أم أيمن تعبر عن ذهنية الكائن الإخواني الشبح (كامرأة تحولت لظل رجل) فما القول في مؤرخ علماني ومدرس جامعي يحسبه البعض ماركسيا حين يفتخر بكونه “إسلاميا” ليدافع كما يتوهم عن “احترام نتائج صناديق الاقتراع والحق في التظاهر في الشارع وعودة العسكر إلى ثكناتهم…”؟ وكيف ينسى هذا المؤرخ (الذي تم استغلال تضامنه أبشع استغلال) أن الإسلاميين الذين يدافع عنهم (وكأنه يتقمص روح حركة مايو 1968 التي رفعت شعار “نحن جميعا يهود وألمان” للدفاع عن كوهن بيندت الذي هاجمه جورج مارشي واصفا إياه “بالفوضوي الألماني”) لا يؤمنون بالانتخابات ولا يحترمون قواعدها ويستغلون الصندوق الانتخابي لمجرد الوصول للسلطة ليلغوا العملية الانتخابية بعد ذلك، ويستعملون العنف والاحتجاز بالعنف والتهديد والتعذيب والقتل وأن الجيش المصري تدخل في آخر المطاف بعد رفض مرسي اللجوء لانتخابات مبكرة وبعد نزول أكثر من 30 مليونا مصريا للشوارع يطلبون الخلاص من حكم مرشد الإخوان محمد بديع؟

وما القول في يساري اشتراكي ينظر يسارا ويمينا دفاعا عن الإسلاميين المصريين (وقلبه على الإسلاميين المغاربة منتظري التمكين) باسم رفض الإقصاء والاستأصال ويتموقع في منطقة رمادية محاولا الإفلات من اتخاذ أي موقف دون أن يلتفت لمواقف الليبراليين والعلمانيين والتقدميين اليساريين والمثقفين المصريين المكتوين بنار الإسلاميين وبفاشيتهم؟

فما هو موقف الليبراليين والعلمانيين والتقدميين واليساريين والمثقفين المصريين من جماعة الإخوان؟

جاء في بيان الحزب الشيوعي المصري (16 غشت 2013) ما يلي: “إن شعبنا يخوض معركة فاصلة مع القوى الفاشية الإرهابية العميلة للإمبريالية وهذا يستلزم اصطفافا وتوحدا بين كل القوى الوطنية الشريفة… كما أن المواقف المساندة والداعمة لهذه الجماعات الإرهابية تدل على علاقة العمالة التي تربط هذه الجماعة (الإخوان) بالإمبريالية العالمية. كما تبرهن على الدور الخياني الذي قامت به هذه الجماعة أثناء سيطرتها على حكم مصر خلال العام الماضي في خدمة مخططات القوى الإمبريالية وكان مقدرا لها استكماله حتى النهاية لولا ثورة الشعب المصري العظيم”.

ونقرأ في جريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (بتاريخ 20 غشت 2013) والتي ترأس تحريرها الكاتبة فريدة النقاش ما يلي: “انتهج الإخوان المسلمون خلال احتجاجاتهم أدوات التظاهرات والمسيرات وقطع الطرق ومحاولات الاعتصام، لكن كل تلك المظاهر الاحتجاجية قد انتهت بمظاهر للعنف الممارس منها وعليها…”. ونظمت القوى الاشتراكية ندوة حول الأسس القانونية والسياسية لاعتبار جماعة الإخوان منظمة إرهابية.

وانبرى المثقفون والفنانون لمحاربة إرهاب الإخوان. فأصر الناقد والخبير اللغوي بمجمع اللغة العربية عبد المنعم تليمة (المزداد سنة 1937) على “أن الحكم للشعب”. وأكد الشاعر عبد المعطي حجازي (المزداد سنة 1935) على دور الثقافة في “كف شر الإخوان”، وتصدى “للوعي المزيف الذي أشاعه الإخوان خلال العقود الأربعة الماضية في غياب يكاد يكون تاما للثقافة الديمقراطية والمدنية…”. وانتقد مؤسسات الثقافة التي فشلت لأنها “اهتمت بالاحتفالات والاستعراضات دون أن تواجه الأكاذيب والخرافات التي أشاعها الإخوان وجماعات الإسلام السياسي واستخدموا في ذلك دور العبادة وتحولت صفحات الصحف إلى مباريات لمن يتحدثون عن الإعجاز العلمي للقرآن وتطبيق الشريعة”. وطالب بتحرير القانون من قوانين الحسبة (وقانون الحسبة هو لجوء أي مواطن للقضاء حين يعتقد أن هناك وضعا مخالفا للشريعة الإسلامية للفصل فيه وفق الشريعة، ولقد تم استعمال قانون الحسبة للتفريق بين الباحث نصر حامد أبو زيد وزوجته بتهمة حكمه على القرآن الكريم بأنه منتج تاريخي) وتحرير الدستور من النص على الشريعة.

أما كاتب السيناريو الشهير وحيد حامد (المزداد سنة 1944) والذي كتب سيناريوهات لأفلام عادل إمام الشهيرة (عمارة يعقوبيان، طيور الظلام، الراقصة والسياسي، الإرهاب والكباب…) فلقد صرح بوضوح أنه “لا مصالحة مع الإرهاب” وأن  “شرعية الإخوان انتهت بخروج الشعب المصري عليهم”. وأضاف قائلا: “أرادوا أخونة التعليم والحكم المحلي وكأن مصر هي الجماعة. من ينكر الثورة المصرية عنده رمد في عينيه. فهذه إرادة الشعب. العنف كان متوقعا. فجماعة الإخوان سعت إلى الدم من البداية”. (جريدة الأهالي، 20 غشت 2013).

كما وجه نايف حواتمة (الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين المزداد سنة 1935) رسالة لقادة دول أمريكا الجنوبية بطلب من الدكتور رفعت السعيد حول حقيقة الأوضاع في مصر جاء فيها: “نؤكد لكم أن ما جرى وما يجري في مصر هو مسار طبيعي وانتقالي نحو هوية مصر، الدولة المدنية الحديثة الديمقراطية، دولة القانون والمساواة والمواطنة والعدالة الاجتماعية لجميع المصريين… وعلى الضد من الحكم الديني الفاشي الذي أراده مرسي وحزب الإخوان المسلمين، والذي جسد بالممارسة شخصية الرئيس للحركة الإخوانية اليمينية فقط، وليس لمصر كلها، إن من حيث الدولة الدينية من لون واحد، أو الإقصاء للقوى الثورية الوطنية والديمقراطية اليسارية والتقدمية عبر محاولات أخونة الدولة وأسلمة المجتمع والتنكيل بقوى المعارضة الثورية الوطنية واليسارية والطوائف الدينية الأخرى، ناهيكم عن الموقف المتخلف والرجعي من المرأة…” (جريدة الأهالي، 21 غشت 2013).

كما عبر الأزهر والأوقاف عن الاستنكار الشديد لتحويل المساجد إلى مقرات حزبية للإخوان. وقدم مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية تقريرا عن أحداث العنف والقتل والتعذيب التي ارتكبها الإخوان المسلمون وأنصارهم (ففي الفترة من 29 يونيو إلى 02 غشت رصد المركز 82 حالة قتل، 44 حالة تعذيب جسدي، 22 واقعة تعذيب أفضت للقتل)…

كيف يمكن فهم المواقف المتذبذبة وغير المنسجمة لبعض الكتاب المغاربة المحسوبين على التيار الديمقراطي والعلماني؟ وهل من المستساغ أن يزايدوا في “قيم الوطنية” على المثقفين والفنانين المصريين وعلى الأقباط والأزهر بل وعلى أكثر من 30 مليونا مصريا طالبوا بالتحرر من الحكم الديني الاستبدادي؟

من هو الكائن الإخواني الذي يزرع الرعب وينمي الإرهاب ويستغل الدين ويستأجر العامة  العاطلين والجهلة ويتحالف مع أية جهة للوصول للسلطة؟ من هو الكائن الإخواني الذي يمثل الله في الأرض ويعيد تكرار النصوص وكأن الناس لا يقرؤون ولا يفقهون؟ من هو الكائن الإخواني الذي يجهل أن أبسط مهنة وأسهل ممارسة هي احتراف استغلال الدين لأنه فكر “جاهز” يكفي تكراره على الإنسان البسيط والعامي والجاهل والأمي المتعلم لزرع الرعب وخلق التبعية؟ من هو الكائن الإخواني الذي يحتقر العقل البشري باللجوء للتخويف والتخوين والترهيب والمس بالأعراض ونشر الأكاذيب وهو كله عيوب وآفات؟

للكائن الإخواني ظل

وظله هي المرأة. تحولت المرأة الإخوانية والمرأة كما يتصورها الكائن الإخواني إلى ظل يؤكد وجوده. فهي لا تمثله ولا تنوب عنه ولا تماثله ولا تناظره ولا تنافسه وإنما تقتفي أثره. لذلك فوجودها هو مجرد عنصر مؤكد لوجوده وناف لوجودها. وجودها دليل على وجوده وعلى عدم وجودها. عدمها كظل هو وجودها ووجوده وحده دليل على آثارها. فهي مغيبة بالاختفاء وراء حجاب وعبر الخفض من الصوت وقبول وضعية الطاعة ونفي ذاتها ككائن مستقل في مواجهة كائن مستقل آخر. وهي منتجة للمجاهدين ومأوى للمتعة ومصدر خدمات منزلية متعددة من الطبخ حتى غسل القدمين. وهي كأنثى تستدعي وجود إناث أخريات لتحقيق كينونة الكائن الإخواني الجسدية. إنها تُعرّف بالجسد المغيب ما دامت مطلوبة كزوجة أو كصاحبة بالمعنى الديني للمضاجعة والإنجاب. لا أهمية للنظر لعقلها لأن ما يحددها هو إما مال أو جمال أو تقوى.

الكائن الإخواني كائن فاشي

هذا ما أكده المحامي مختار نوح القيادي السابق في جماعة الإخوان (ازداد سنة 1935). فجماعة الإخوان “تنظيم فاشي” يكتوي بفاشيته الإخوان أنفسهم قبل غيرهم. لذلك من العبث أن تطلب “من تنظيم فاشي ممارسة الديمقراطية”. والفاشية هي سمة كل حركة تعتمد القوة لخدمة فئة اجتماعية واحدة محددة، وتضطهد الخصوم وتنعتهم بكل الشرور، وترفض المؤسسات الديمقراطية والليبرالية، وتقمع المعارضة وتقوم بالمراقبة السياسة الشديدة للمجتمع المدني وتقوم على عبادة شخصية الحاكم الفرد (شبه الداعية السعودي د. محمد العريفي عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسمين محمد مرسي بالخليفة عثمان بن عفان)، وترفض حقوق الإنسان وتتبنى سياسة رجعية.

وتظهر فاشية الكائن الإخواني في رفضه الانتخابات أو تزويرها أو التحايل عليها. بل إن مكتب الإرشاد يتبنى التعيين ولما انتُخِب عبد المنعم أبو الفتوح تم طرده بعد ذلك من المكتب. كما يعتمد الكائن الإخواني على التنظيم العسكري. وهذا ما نجده عند الإخوان منذ البداية حيث أسس حسن البنا المرشد الأول للجماعة النظام الخاص السري سنة 1940. كما أنشأ قسم الوحدات العسكرية لاختراق الجيش.

يحتقر الإخوان المسلمون المواطنين الأقباط. ويعتبرونهم أقل منهم درجة. ويحرضون العامة ضدهم، ويتحرشون بهم ويحرقون كنائسهم ويعتدون على نسائهم ويهاجمونهم علانية في وسائل الإعلام. بل لقد قام أحمد عبد الله صاحب قناة الأمة والملقب بأبي إسلام بتمزيق الإنجيل أمام السفارة الأمريكية سنة 2012 كتعبير عن هذا الإذلال للأقباط واستدراجهم لحرب أهلية. ويرفض الإخوان دخول الأقباط للجيش المصري لأنهم يشكون في ولائهم لمصر معتبرين أن الولاء مرتبط بالإسلام وأن الجيش يجب أن يكون جيشا للإسلام. ويطالبون بفرض الجزية عليهم. ويتعمدون نعتهم بالنصاري عوض المسيحيين حتى يخرجوهم من فئة أهل الكتاب ويعتبرونهم مشركين ويطبقون عليهم حد الشرك الذي هو الدخول في الإسلام أو القتل.

الكائن الإخواني كائن قاتل

ويستعمل سلاح التكفير للانتقال لتنفيذ القتل. وهو الذي يحدد ضوابط الكفر والإيمان. فلقد كفر الإخوان جمال عبد الناصر (ونجد صدى للإعدادات العسكرية في رسائل البنا وفي اعترافات سيد قطب المعنونة بـ”لماذا أعدموني”؟). وبعد القتل يتم الإنكار والبحث عن كبش فداء. فلقد تنكر المرشد حسن البنا لعناصره التي حاولت نسف المحكمة وأصدر بيانا تحت عنوان “ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين”). واتهم الإخوان عبد الناصر بالكفر وهو الذي: أنشأ إذاعة القرآن الكريم، أسس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، قام بتسجيل القرآن الكريم، أسس منظمة المؤتمر الإسلامي، أنشأ مدينة البحوث الإسلامية، أرسل علماء الأزهر إلى إفريقيا وآسيا لنشر الإسلام. فما الذي قدمه الإخوان للإسلام غير العنف والقتل والسعي الحثيث للسلطة بالتحالف مع الاستعمار؟ الم يغتالوا القاضي الخازندار في حلوان ووزير الداخلية النقراشي؟ الم يحاولوا 22 مرة اغتيال إبراهيم باشي عبد الهادي زعيم الطليعة في ثورة 1919؟ ألم تكن لهم أية علاقة بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر؟ الم يقم الخارجون من عباءتهم من اغتيال السادات والشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف سنة 1977؟ ألم يقتل النظام الخاص المهندس سيد فايز العضو البارز في هذا النظام في منزله بإرسال صندوق حلوى ملغم لاختلافهم معه سنة 1953؟

الكائن الإخواني كائن مزدوج

يخاطب الكائن الإخواني الشعب زورا وبهتانا. ويلجأ لسياسة اختراق النقابات والمؤسسات والأجهزة الحساسة من أجل الاستيلاء على الحكم بواسطتها. فمنطلقه هو المركزية الاستبدادية المتمثلة في الخضوع لمن يحل محل الخليفة.  تبدأ السلسلة من الداعية لتنتقل إلى المرشد فالرئيس ثم الخليفة. وتكون الطاعة بدون قيد أو شرط. الطاعة المعلنة لله لكنها في الواقع هي طاعة للمرشد. نظريا الإسلام يكرم المسلم لكن إسلام الإخوان يخضع الأخ لرئيسه. الإخوة في الجماعة عبيد لله الذي يمثله المرشد ومن معه. يرفع الإخوان شعارا هو “هي لله هي لله، لا للحكم ولا للجاه”. ومعنى ذلك أن الله مجرد شعار في ممارسات الإخوان وأن الهدف الحقيقي هو الجاه والحكم. ويدعم هذا البناء بازدواجية الكفاءة والولاء. فالإخوان واضحون في اختيار المسؤولين على أساس الولاء مع الإعلان للناس أن هذا الاختيار يتم على أساس الكفاءة. تقدم الجماعة نفسها على أنها تخدم المجتمع في الوقت الذي تبني نفسها كعصابة متماسكة. لذلك يتم إظهار التدين والتعبد واللباس الديني والزبيبة البارزة والمسبحة وذكر الله بين كل جملة وجملة من أجل استثمار كل ذلك في العملية السياسية المنتظرة. ففكر الإخوان هو فكر الغزوات. وليس من باب الصدفة أن تقلصت، إن لم تكن قد انعدمت، الأنشطة الدعوية بعدما وصل الإخوان للحكم. لأن الغرض الأساسي فضح الوسيلة المتبعة منذ سنين. فالإخوان يستعملون المال من أجل جلب المال والتمويه على المال. والجماعة تعمل وفق تدمير كل منافس. وأشد منافس لها هو الأزهر والجيش والمخابرات. لذلك فهي تضع على رأس أولوياتها الحط من إسلام الأزهر واتهام الجيش بالكفر والدعوة إلى محاربته. يتقدم الإخوان كبشر لممارسة السياسة عبر المنافسة مع بشر مثلهم، لكنهم يلجؤون إلى حيلتهم الشهيرة وهي أن برنامجهم برنامج إلهي لأنه هو الإسلام. ألم ينشروا بين الناس أن من لو يصوت لصالحهم هو كافر؟ ولعل ما جاء في جريدة الوفد (30 نوفمبر 2013) يوضح هذه الازدواجية. “يحكى أن احد المسلمين جاء إلى رجل دين وسأله: ما حكم الدين في جدار بيت بال عليه كلب؟ فأجابه رجل الدين: يُهدم الجدار ويُبنى سبع مرات. فقال السائل: إن هذا الجدار هو جدار بيتك؟ فرد عليه رجل الدين قائلا: بل قليل من الماء يطهره”. كما أن الجماعة تظهر للعلن في ثوبها الدعوي وتعمل في السر بأجنحتها التنظيمية والمالية والعسكرية. وتلجأ للدين لكي تلجم كل من أراد معرفة كيفية اشتغالها أو أراد تبديد بعض الشكوك حول كيفية عملها. فهي تقدم تفسيرا مغرضا للآية 101 من سورة المائدة: “يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم…”. وإذا كان معظم المفسرين يقولون أن المقصود بها “نهي المؤمن عن السؤال عن أمور لا تعنيه في أمور دينه أو دنياه” فكيف تحرم قيادة الجماعة على الناشط الإخواني السؤال عما تقوم به هذه القيادة؟ فالجماعة تلجأ للكذب البَواح. فتمجيد الدين عندها لا يتناقض مع تمجيد السلطة. فحسن البنا يقول: “الحكم عبادة مثل الصلاة. ومن فرط في الحكم فرط في الدين”.

الكائن الإخواني كائن طائفي

تقوم حياته الإخوانية على القاعدة التالية: “الإخوان يقفون ضد غير المسلمين. ويقفون ضد غير السنة من المسلمين. ويقفون ضد غير الإخوان من السنة”. وهكذا يصبح المسلم هو الإخواني. ولهذا نقل عن حسن البنا أنه قال: “الإخوان حزب الله”. ولذلك نفهم لماذا يقول الإخوان اليوم أن تخلي المجتمع عنهم هو تخلي عن الإسلام. فلا وجود لمن ينافسهم لأنهم هو ممثلو الحق. فحسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان (1891-1973) قال أن الإخوان لن يتركوا الحكم إذا وصلوا إليه وأنهم حين يتعاملون مع صناديق الاقتراع والانتخابات لا يعني ذلك أنهم يتفقون مع بقية مكونات الديمقراطية. فهم مع أية وسلة توصلهم للحكم سواء كانت الانقلاب أو الحرب أو الانتخابات. وإلى جانب الأخلاق الحسنة التي تنادي بها الجماعة ليل نهار تمارس احتلال جميع المناصب وتقصي المخالفين وتحارب المنافسين وتشوه الصحفيين والمعارضين وتكفر المنتقدين (عين مرسي المحافظين من الإخوان، وقام الإخواني حسن مالك صاحب جمعية “ابدأ” -الجمعية المصرية لتنمية الأعمال- بفرض إتاوات على بعض رجال الأعمال وصلت إلى خمسين مليون جنيه، كما ابتز أحمد مرسي –نجل الرئيس الإخواني محمد مرسي- الملياردير ناصيف ساويرس ليحصل منه على خمس مليارات جنيه مقابل إعفائه من ضرائب اتهم بعدم أدائها تصل حسب المتهمِين إلى 14 مليار جنيه (حسب ما أورده الصحفي مصطفى بكري). وتحاول الجماعة أن تقدم صورة وردية عن العلاقات الأخوية داخلها، بينما هي “جماعة كتم النفس” تمارس المحاكمات الداخلية وتفرض العقوبات التي تصل إلى الإقامة لجبرية والطرد بل والقتل كما حدث مع المهندس سيد فايز. ويتضح من كل ذلك أن الإسلام الذي تقدمه الجماعة للناس هو مجرد شعار لأن الإسلام الفعلي بالنسبة لها هو التنظيم.

الكائن الإخواني كائن انتهازي

يعقد الصفقات مع أية جهة مفيدة معتمدا على القاعدة التي تقول: “يجوز الاستعانة بكافر في سبيل الوصول للحق”. لذلك نجد الإخوان يعقدون صفقات مع أمريكا التي يجاهرون منذ سنين بأنها الشيطان الأكبر. كما سبق لهم أن عقدوا الصفقات المشبوهة مع الاستعمار الإنجليزي وتحالفوا معه وحصلوا منه على التمويل السري (أنظر ما كتبه بهذا الشأن كين لفنجنستون ومارك كيرتسي).

قام سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع السياسي ورئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية (المزداد سنة 1938) بالوساطة ما بين الإخوان وأمريكا. وتعهد الإخوان للأمريكان بما يلي: عدم تغيير الخريطة السياسية للمنطقة، الحفاظ على جميع المعاهدات بما فيها تلك المبرمة مع إسرائيل، قبول وجود إسرائيل بالمنطقة، قبول الدعم الأمريكي الهادف للتحويل الديمقراطي للمنطقة، تأسيس حزب سياسي، الحفاظ على الحكم القائم (حكم مبارك آنذاك) وعدم خلخلته دستوريا أو شعبيا.

وتمت اتصالات عديدة بين الإخوان والأمريكان قادها سعد الكتاتني وعصام العريان ومحمد عبد القدوس. وأرسل الإخوان رسائل مطمئنة لإسرائيل عبر أمريكا. واعترفت هيلاري كلينتون بوجود حوار رسمي بين الإخوان وأمريكا. واجتمع وليم بيرنز (مساعد وزيرة الخارجية وأحد كبار الصهاينة) بالإخوان وتباحث معهم مصالح أمريكا وأمن إسرائيل. وأصدرت وزارة الخارجية بيانا في الموضوع وأنكر الإخوان ذلك طبعا كما هي العادة.

تسير جماعة الإخوان نحو السلطة على جثة الدين. ولا يتم ذلك في علاقتها بأمريكا وإسرائيل وأذنابهما فقط (وهو ما أثبتته قرائن عديدة في سنة واحدة من حكم مرسي)، وإنما يظهر ذلك أيضا في علاقة الجماعة بالشيعة منذ اللقاء الأول الذي تم ما بين حسن البنا المرشد الأول للجماعة وشخص يدعى سيد روح الله مصطفى الموسوي سنة 1938، وهذا الشخص الإيراني الشيعي هو الذي سوف يصبح فيما بعد الإمام الخميني. وسوف يسمي نفسه مرشدا كالتفاتة منه لذكرى الشيخ حسن البنا. كما يظهر ذلك في علاقتها بالمال والممولين والتجارة وطرق الكسب المتعددة المشبوهة.

صرح الدكتور رفعت السعيد ( أمين المجلس الاستشاري لحزب التجمع والمداد سنة 1932) “بأن جماعة الإخوان قد انهارت إلى الأبد. وأنها لا تواجه النظام وإنما تواجه الشعب وأن صفحة الإخوان قد طويت”.

فهل سيكون هذا التقييم مطابقا لمستقبل الجماعة؟ أم أن المجتمع العربي الإسلامي المعاصر لازال لم يتخلص بعد من مكوناته المظلمة الغارقة في الماضي الاستبدادي، والمعادية لكل ما له صلة بالحريات والحداثة؟ وأن قيام الحداثة واستتبابها يحتاج لحروب دينية صريحة تحرر المجتمع من أغلاله وتنهي وهم العودة للماضي؟ هل يحتاج العرب المسلمون المعاصرون لحركة تطهير تتم على شكل حروب أهلية يتخلص فيها الجديد من القديم،  ويصفي فيها الحديث حساباته مع التقليدي؟ ما العمل مع قوى النكوص؟ القوى المعرقلة لعلاقات الإنتاج ولحركية الأفكار ولكل المشاريع العقلانية التي تستهدف تحديث العلاقات الاجتماعية والتصورات لمواكبة التقدم العلمي والتقني وتحقيق مجتمع يسود في احترام الفرد وينعم فيه الأفراد بحرياتهم بدون من ينغص عليهم حياتهم لأنه عاجز عن العيش بشكل منسجم مع المستجدات والتطورات؟ ألا يتعلق الأمر بمجرد فشل في التأقلم مع تطورات العصر؟

يظهر أن الكائن الإخواني يُدرك عبر تكثيف لمجموعة من الممارسات الخفية والأفكار المعلنة والتي تتصالح فيها القيم المتصارعة: التدين والهوس بالسلطة، التعبد وعشق النساء، التقشف والهوس بالمال، حب الله والإفراط في اقتناء الإناث، التكلم باسم السماء والتحكم في الأرض، الدعوة للعبادة والقتل من أجل الجاه والولاء، كره الأجنبي والتحالف مع الأعداء، تلاوة القرآن الكريم والمس بأعراض الناس، الخلوة في المسجد مع الرحيم الرحمان والدعوة لقطع الرؤوس بسبب الهوية الدينية أو الطائفية، محبة الأطفال وفض بكارة الطفلات الصغيرات، التعبد لله والتملق للحاكم.

محمد الهلالي

___________________

نشر المقال على حلقات  بالأحداث المغربي الخميس 05 شتنبر 2013 /  السبت والأحد 7 و8 شتنبر 2013 / الاثنين 9 شتنبر 2013 / الثلاثاء 10 شتنبر 2013

Leave a Reply