الإستبداد اللاهوتي في الإسلام

الإستبداد اللاهوتي في الإسلام

بدايــــة القول

في بداية القرن العشرين قرر مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كما أتاتورك، الاستغناء نهائياً عن الدين الإسلامي كمنظومة نظرية ترعى وتحمي الضبط السياسي للمجتمعات الإسلامية. في حينه قال الرجل قولا مشهوراً مفاده انه (أتاتورك) ليس في حاجة إلى الدين لكي يحكم البلد وأن الذي يستعين بالدين جبان والجبان لا يمكن أن يكون زعيماً. انتفاض أتاتورك ضد نظام الخلافة ليس غريباً في الإسلام، وأتاتورك نفسه لم يكن مبدعاً في هذا المجال بل مواصلاً لتجارب سبقت، لكنه يبقى صاحب الفضل في التشكيك في قدسية علاقة الدين بالسياسة. يكرهه المسلمون لانه هدم في نظرهم وحدة وقوة الإسلام حينما استبدل النظام السياسي الاسلامي “الشرعي” (الخلافة) بالدولة المدنية، واضعاً بذالك الحد لتاريخ “مجيد” تتلذذ به الأرثوذوكسية الإسلاميةباستمرار، تاريخ يبدأ مع أبي بكر الصديق والخلفاء من بعده كعمر وعثمان وعلي. منذ عهد الخلافة الراشدة ترسخت لدى المسلمين فكرة أن الاسلام دين ودولة وأنه لا يمكن عزل الدولة عن العقيدة كما تلح على ذلك أدبيات اللاهوت الاسلامي وما انتجه من إيديولوجيات متناقضة و بعيدة عن الأصل الأول، يعني المشروع المجتمعي لرسول الإسلام. على الرغم من “بداهة” علاقة الدين بالسياسة في الإسلام، غامر أتاتورك بما فيه الكفاية حينما فصل بين الإثنين. وما فعله الرجل الذي حرر تركيا من براثين التخلف كان بمثابة “اغتصاب” لشرعية أريد لها أن تكون مقدسة وهي ليست مقدسة. فقدسية العلاقة بين الدين والسياسة هي من المسلمات المطلقة، لكن هذه الإطلاقية منتوج بشري قابل للفحص والتحقق التاريخي. بشكل غريب يبدأ المسلمون التأريخ لمسارهم الحضاري بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة في شهر شتمبر من سنة 622 م وليس مع نزول الوحي بما له من اهمية. وفي نفس السنة التي بدأ فيها التأريخ للدين الجديد وضع النبي محمد ما يعرف بمعاهدة المدينة وهي بمثابة أول دستور مدني في الإسلام يصدر عن نبي يوحى إليه من الباري تعالى، لكن هذا الدستور كان من وحيه هو نفسه ول تكن له علاقة بالوحي الإلهي. يحدث هذا والدعوة الى دين الله كانت قد بلغت سنتها الثالثة عشرة. ما يعني أنه إلى تلك اللحظة كان للنبي محمد ما يكفيه من الوحي لتدبير شأن أمته الجديدة بدل اعتماد دستور جديد، لكنه لم يعتمد الوحي ليسوس سكان يثرب وإنما اعتمد السياسة. وصلتنا تلك صحيفة المدينة وهي مكتوبة بخط يد الرسول (النبي لم يكن امياً كما توهم الأرثوذوكسية بذلك)، وبنودها معروفة بالكامل وواردة في العديد من المصادر الإسلامية. ويمكننا اعتماداً على هذه الوثيقة استنتاج أن النبي محمد ربما أدرك مبكراً اهمية التمييز بين الدين والسياسة كما أدرك أن الدين ينبغي أن يكون لله وأن السياسة شأن من شؤون عباد الله باعتبار أن الله ليس في حاجة أن يتدخل في صغائر الأمور الدنيوية. وقد ورد في سورة الشورى وهي سورة مكية: ” والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم”. مضمون هذه الآية المكية لا يحتاج لأي تفسير أو تأويل، ومن السهل اكتشاف أن النبي محمد كان في الفترة الأولى من إقامته بالمدينة وفياً لهذا الوحي المكي. فالفصل بين الدين والسياسة كان في الحقبة الإسلامية الأولى راسخاً في أذهان الناس ولم يتم تقديسه إلا ابتداء من حكم الأمويين على وجه التحديد. فحينما اختلف المسلمون مع عثمان مثلاً، اختلفوا معه سياسياً وليس دينياً، ولو ارتبط الأمر بالدين لما قتل عثمان لأنه كان مؤمناً تقياً ولا أحد من المسلمين يشك في إيمامنه. لم يشك المسلمون في إيمان عثمان ولا في درجة تعبده، لكنهم جعلوه يفهم أن الدين شيىء وأن السياسة شيىء آخر حينما أقدموا على محاسبته سياسياً وليس على إيمانه. حتى حينما حاول عثمان الاختفاء وارء “إرادة الله” بالقول أن الله هو من أراده أن يكون ما كان عليه، أصر المسلمون على التخلص من عثمان السياسي دون الاكتراث لعثمان المؤمن بالله. مباشرة بعد الفتنة الاولى الناتجة عن مقتل عثمان وهي فتنة سياسية بالدرجة الأولى بسبب الاستبداد كاقتضاء ارتبط بإرادة لله ( الله هو من أراد تكون الامور ما هي عليه كما كان قال عثمان)، أقام الأمويون نظامهم السياسي مضيفين إليه نكهة دينية استعملوها عند الحاجة، خصوصاً في الفترة الأخيرة من حكمهم. وفي عهدهم نشأت المعارضات الأولى ضد العقد المفروض قسراً بين الدين والسياسة ومن ثم الاختفاء وراء إرادة الله كأداة سياسية تشرعن الاستبداد والاستعباد. كان معبد الجهني او ل من ثار ضد اختفاء الخليفة الاموي وراء إرادة الله، بعده أتى غيلان الدمشقي ومن ثم الجهم بن صفوان ليهيئوا حركة المعتزلة التي ظهرت فيما بعد كحركة فكرية تهتم باللاهوت من اجل الدفاع عن الإسلام ضد أفكار الفلسفة اليونانية. شكل هؤلاء الرواد النواة الأولى لمعارضي الاستبداد الممارس باسم الله. غير أن هذه المعارضة كلفت ذويها وما تزال الكثير من التضحيات. ذٌبح الجعد بن درهم من طرف الأمير خالد القسري في إحدى أيام عيد الأضحى، ثم عذب وقتل غيلان الدمشقي بأبشع الطرق من طرف الخليفة هشام بن عبد الملك، إذ بتر في البداية يده وساقه ومن ثم صلبه على باب دمشق. أما الجهم بن صفوان فقد قتله الأمير سلم بن أحوز في أصبهان. القتلة أمراء وخلفاء والمقتولون معارضون للاستبداد المقدس، القتلة مؤمنون والمقتولون لا يقلون عنهم إيماناً، والخلاف سياسي بامتياز. ما يهمنا من خلال هذه الإشارات السريعة هو التذكير بأن علاقة الدين بالسياسة في الإسلام ليست جزءاً من الوحي الإلهي، إنها إفراز من إفرازات اللحظة الأولى التي تلت وفاة رسول الإسلام. بعدها مباشرة نشأ السؤال المصيري: ما العمل؟ وحول هذ ا السؤال تمفصل العنف الذي لازم الفعل السياسي في الإسلام، العنف الذي ربطه المسلمون بالإيمان بالله: الجهاد في سبيل الله.

البيعة أو التأسيس للاستبداد السياسي في الإسلام

ظهر مفهوم البيعة في الفترة المبكرة للإسلام، بالضبط بعد وفاة النبي محمد مباشرة. و معظم المصادر الإسلامية لا يختلف حول حقيقة ما حدث في سقيفة الأساعدة وروح رسول الله لم تغادر جسده بعد، لكنها (المصادر) تقفز على ما حدث لتقدم لنا أصلاً وهمياً يعريه المسار الممتد من أبي بكر الصديق والمتوقف حالياً مع الخليفة أبا بكر البغدادي. كل هذه المصادرتؤكد على كون أبا بكر، أبا عبيدة الجراح وعمر بن الخطاب دبروا أمر البيعة مسبقاً و سارعوا إلى فرض أنفسهم ضد الأنصار الذين كانوا قد اختاروا سعد بن عبادة خليفة لرسول الله. يحكي الطبري ما أورده بأكثر دقة الصحابي سلمان الفارسي عن اللحظة التي التقى فيها الثلاثة مع جماعة من الأنصار وألحوا على أن المهاجرن أحق بقيادة الأمة لانهم سبقوا الأنصار إلى اعتناق الإسلام. حاول الأنصار أثناء التفاوض مع المهاجرين الوصول إلى تسوية من خلال اقتراح قيادة مشتركة فقالوا: ” منا أمير ومنكم امير”. لكن الصحابة الثلاثة رفضوا وأصروا على جعل الأنصار يشعرون أنهم أقل شأنا من المهاجرين. وفي وقت معين سارع عمر ورفع يد أبا بكر وصاح في البرية: إني أبايعك يا أبا بكر. ثم تلاه الجراح وآخرون إلى أن أصبحت بيعة أبا بكر أمراً واقعاً خضع له باقي المسلمين. هنا وفي إطار هذه “المؤامرة” التي أسست لبقية المؤامرات في الاسلام ولد مفهوم البيعة. ومنذ ذلك الحين وعلماءالمسلمين يشحنون مفهوم البيعة بمضامين يربطونها قسراً بمبايعة الرسول محمد من طرف جماعة من الخزرج، وهذا لتقديس المفهوم. غير أن بيعة الرسول هذه تختلف جذرياً عن مبايعة أبي بكر، فالأولى ليست أصلا للثانية ولا امتدادا طبيعياً لها كما يحاول التاريخ الرسمي الإيهام به. فحينما عرض النبي محمد نفسه عن حجاج يثرب في سنة 621 م كانت مكة قد ضاقت به إلى أبعد الحدود. حينها أدرك أن بقاءه في مكة قد يكون خطراً على سلامته الشخصية وأن هجرته أفضل من بقائه وأول وجهة اختارها كانت هي يثرب (المدينة) ـ ربما لأن أهلها على صلة بفكرة التوحيد (اليهود). بإطناب كثيف ومكثف تحكي المصادر الإسلامية عن لحظة التقاء الرسول بحجاج يثرب وما دار بين الطرفين من حديث. وأهم ما تحكيه هذه المصادر هو أن الرسول طلب من الحجاج الاستضافة والحماية وأن الحجاج وعدوه بعرض الطلب على كبارهم وأنهم سيعودون في السنة الموالية لإخباره بالنتيجة.اتفق اهل يثرب في الأخير على أن يستضيفوا الرسول الذي رفضه أهله شريطة ألا يقحمهم في نزاعاته مع أهل مكة. أما عن سبب قبول الخزرج لاستضافة النبي فيعزوها المؤرخون والباحثون إلى كون يثرب كانت تحت وطأة حروب دائمة بين الأوس والخزرج بمشاركة يهودية لا يستهان بها. وكان الخزرج يبحثون عن زعيم محايد ينهي الحرب الضارة بالطرفين، فوجدوا ظالتهم في الرسول محمد. نلاحظ هنابسهولة أن بيعة العقبة التي تعاقد فيها الرسول مع الخزرج لم تكن بيعة سياسية بل كانت نوعاً من الحماية طلبها الرسول لإنقاذ حياته. والأكثر من هذا هو أن الخزرج كان شرطهم واضحاً حينما وافقوا على تقديم الحماية للنبي: ألا يقحمهم في خلافاته مع قريش على وجه التحديد. لا يمكن إذن مقارنة بيعة العقبة ببيعة سقيفة الأساعدة بأي وجه من الأوجه. ما حدث في سقيفة الأساعدة هو بمثابة انقلاب سياسي قام به ثلاثة من كبار صحابة النبي ضد الصحابة الآخرين. يتداول الشيعة في هذا المجال كتاباً يعتبرونه اقدم كتاب عربي سابق حتى عن القرآن، كتاب سليم بن قيس. تضم هذه الوثيقة التي يرفضها اهل سنة جملة وتفصيلاً وصفاً دقيقاً يقدمه الصحابي سلمان الفارسي لما حدث في السقيفة. يقول هذا الصحابي أن عمر – على وجه التحديد – استعمل ضد الانصار نفس الحجة التي استعملها عليٌ ضد أبي بكر وصديقيه الخطاب والجراح. والحجة هي أن من يخلف النبي لابد أن يكون من قريش وأن الله يذكر المهاجرين في كتابه وهم لذلك اولى بالخلافة من غيرهم. وفي سجال له مع العباس، عم الرسول، ذكر أبو بكر أن الله ترك المسلمين بعد أن أخذ منهم رسوله أحراراً في اختيارهم لوليهم وأن المسلمين قد اختاروه هو ( أبو بكر) دون غيره ولياً وخليفة للنبي. احتد السجال بين الرجلين وهدد الواحد منهما الآخر إلى أن قبل العباس وعلي بالأمر الواقع. غير أن الحجج التي واجه العابس بها أبا بكر تقول الكثير عن بيعة هذا الأخير. قال العباس أن عائلة النبي جزء من المؤمنين الذين يقول عنهم أبو بكر أنهم بايعوه، لكن لا أحد شاورهم في الأمر. فإذا كان علي، طلحة، الزبير، المقداد، أبو ذر، العوام، سلمان وغيرهم من الصحابة لم يشاركوا في عملية البيعة التي قادت فيما بعد إلى فتن لا تحصى وأسست للاستبداد المقدس كأداة لترويض المعارضين، فكيف تضفى القدسية على هذه البيعة التي تعتبر من الناحية التاريخية أكبر مؤامرة سياسية عرفها دين محمد؟ يرفض أهل السنة من طبيعة الحال رواية سلمان الفارسي هذه للاحداث لأنه من شيعة علي، لكن ماذا يعني ذلك؟ أيعني أن علياً كان معتوهاً؟ أيعني هذا أن كل ما يقوله الشيعة هراء وكلام فارغ؟ حتى وإن سلمنا بأن راوية سلمان هذه غير سليمة، فماذا لو اكتشفنا أن المصادر السنية نفسها كالطبري مثلاً تورد معلومات ثمينة في هذا الباب؟ ماذا عن هجوم عمر على علي في بيته وإجهاضه لفاطمة الزهراء وهي تحاول حماية زوجها من كومندو عمر؟ ما ذا عن اعتقال علي من طرف رجال عمر واقتياده مقيد اليدين ليقدم البيعة لأبي بكر الصديق؟ وأية بيعة هذه إن كانت بهذا القدر من العنف؟ نستخلص بعجالة أن البيعة السياسة في الإسلام هي إضافة فقط وليست من أصول الإسلام كما توهمنا الأرثوذوكسية الإسلامية الهرمة. ثم إن البيعة المثالية التي تتحدث عنها هذه الأرثوذوكسية لم تحدث قط على أرض الواقع ولن تحدث إلا بالشكل الذي حدثت به، يعني الاستيلاء على السلطة بالعنف أو بالمكائد والدسائس. فحينما نقول مثلاً أن المسلمين اختاروا أبا بكر وبايعوه فإننا نتحدث عن حالة حدثت فقط في آذهان المستفيدين منها، لأن “المسلمون” لم يبايعوا أبا بكر وإنما بايعه عمر والجراح فقط، وعمر نفسه لم يبايعه المسلمون بعد الصديق وإنما عينه هذا الاخير وهو بدوره عين خمسة رجال ليختاروا في ظرف ثلاثة أيام من يخلفه بعد ان طعنه أبو لؤلؤة الفارسي. ومجيىء بن عفان بعد الخطاب لم يكن بالبيعة التي يتحدث عنها التاريخ الرسمي للإسسلام. لم يحدث أبداً أن بايع المسلمون خليفتهم أو وليهم، ولا داعي أن نجتهد كثيراً لمعرفة كم تحكمت عقلية الدسائس والمؤامرات السياسية في تطور الإسلام بدأ بالامويين، مروراً بعباس السفاح مؤسس الحكم العباسي ووصولاً إلى التجراب القٌطرية المحلية. فإذا افترصنا أن البيعة هي عقد مقدس بين الحاكم المسلم والمحكومين المسلمين، فسيصعب علينا تفسير الاستبداد الذي طبع بصماته على التاريخ الإسلامي قديماً وحديثاً. لم يعرف التاريخ الإسلامي ولو تجربة واحدة خلت من العنف، البطش والاستبداد. يذكر الطبري في تاريخه تفاصيل اللحظة التي تم فيها تعيين عثمان بن عفان والعنف الذي لازمه. فحينما طعن عمر دعى هذا الأخير ستة (خمسة؟) من مستشاريه وأمرهم أن يجتمعوا ثلاثة أيام ويختاروا منهم واحداً يقود الامة. ولعل هذا ما تعتبره الأرثوذوكسية الإسلامية ديموقراطية (شورى) عمر وعدله. غير أن ما لا تهتم به هذه الأرثوذوكسية هو القرار الغريب الذي اتخذه عمر وهو يحتضر حينما أمر أبا طلحة بقتل من يختلف مع الأغبية داخل المجموعة المذكورة. إذا اختلف إثنان مع الثلاثة الباقين فيتعين التخلص منهما معاً (قتلهما). هذا القرار الذي اتخذه عمر يتنافى جذرياً مع الآية: ” والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل” (الشورى، 6). كيف يأمر عمر، خليفة المسلمين العادل، بقتل من يختلف مع الأغلبية وهم مؤمنون؟ أكان ضرورياً أن يحضر العنف في هذه العملية الاستشارية التي يأمر بها خليفة رسول الله؟ وهل تلقى الخليفة أمراً من الله لاصدار هذا الأمر الخطيرأم أنه استعان بالمقدس لتبرير المدنس، يعني وجوب تعيين خليفة في أسرع وقت؟ تأليه أولي الأمر ما نقرأه في الزمن الأول للإسلام وهو زمن يمتد من وفاة النبي محمد وينتهي بانتهاء الخلافة الراشدة مع علي، هو التأسيس لاستبداد سياسي تمت شرعنته من خلال مفهوم البيعة الذي تم تقعيده في اللاهوت الإسلامي استناداً إلى أحادايث تنسب للرسول. هناك مثلاً حديث يقول: “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”. أصحاب الرسول الذين ينبغي الاهتداء والاقتداء بهم يشبهون الحواريين الذين أنابوا عن عيسى ابن الرب، لكن الرسول كان له حواري واحد هو الزبير بن العوام. فإذا سلمنا أن الحديث المذكور صحيح فستنشأ بعض الأسئلة المحرجة: لماذا قتل عثمان وهو الصحابي النجم؟ من أين للرعية هذا الحق في قتل من ينوب عن رسول الله في قيادة الأمة؟ لماذا قاتل العباسيون الأمويين وقتلهوم على بكرة أبيهم؟ نذكر هذا فقط من أجل التأكيد على أن مفهوم البيعة في الإسلام اقترن بالعنف، ولم تكن هناك أية بيعة حقيقية من طرف المسلمين تمت بالاستشارة والتراضي. من أبي بكر الصديق إلى علي بن أبي طالب، كان السيف هو سر البيعة التي سيستغني عنها الأمويون. إذ أصبح الحكم السياسي بعدهم وراثياً: سلالة تأتي لتحكم ثم لا تصمد أمام السلالة الناشئة فتندثر، ثم تندثر الأخيرة فتأتي أخرى وهكذا. على امتداد التاريخ الإسلامي لم يراع المسلمون مبدأ البيعة الذي تروج له الأرثوذوكسية الإسلامية مع أنهم يستمدون الشرعية لاستبدادهم من كونهم ظل الله على الأرض. من شق عصى الطاعة فليضرب عنقه. هذا الحديث المنسوب للرسول يشرعن ويقدس الاستبداد المطلق باعتباره من تعاليم الدين الإسلامي. وباسم هذا الشعار ضربت وما تزال أعناق مآت الملايين على مدى التاريخ الإسلامي، أفرادا وجماعات. هناك قول آخر ينسب للرسول يفيد وجوب السمع والطاعة ولو لعبد حبشي. هذا القول عززه الإمام مالك في القرن الثامن الميلادي بالقول أن الخروج عن طاعة أولي الأمر الفاسدين والمستبدين لا تجوز خوفاً من الفتنة والاقتتال. علينا أن نستخلص من قول الإمام مالك أن مفهوم البيعة لا ينتمي إلى المنظومة العقائدية التي أسسها النبي محمد، إنها هرطقة ظهرت لاحقاً. الطاعة واجبة كخيار سياسي وليست واجباً دينياً. أما الأحاديث التي أشرنا إليها ويقال أنها للرسول فينبغي أن تخضع للفحص الدقيق اعتماداً على العديد من القرائن التاريخية هي ليست موضوعنا الآن. وبغض النظر عن السؤال هل الرسول هو صاحب القول أم لا، فإن موقف مالك اعتمده الحكام المسلمون على مدى العصور كما اعتمده أئمتهم. فهذا أحمد بن حنبل يتشدد اكثر من مالك ويقول: ” والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البرّ والفاجر ، ومن ولى الخلافة ، واجتمع الناس عليه ، ورضوا به ، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة ، وسُمي أمير المؤمنين”.هذه الفتوى الغريبة لأحمد تستند إلى أحاديث مختلفة في بنياتها ومضامينها. يقول حديث ينسب للرسول: “من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني”. تبدو إطاعة الأمير في هذا الحديث نشازاً لا ينسجم مع بقية العناصر الواردة في الحديث نفسه. ففي زمن الرسول لم يكن هناك أمراء بل كان هو نفسه الأمير الوحيد للمؤمنين، فكيف يتحدث الرسول عن شيىء لم يكن موجوداً في زمانه؟ ألا يتعلق الأمر هنا باجتهاد الأئمة المرتبطين بالخلفاء والأمراء لشرعنة الطاعة كواجب ديني؟ هل لهذه الطاعة سند في القرآن وهل هذا السند بديهي وواضح أم انه معقد إشكالي؟ نجد مثلاً الآية ” يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم”. انطلاقاً من هذه الآية لا يسعنا إلا القول أن طاعة الله واجبة وممكنة في حد ذاتها لآن الله أزلي وطاعته لا تخضع للمتغريات، غير أن طاعة الرسول غير ممكنة لأن الرسول غير موجود، ينبغي إذن أن نفترض ان الآية تخاطب من نزلت إليهم. أما أولي الأمر ففيهم قول: من هم، كيف يتولون الأمر ومن كلفهم بتولية الأمر؟ فالرئيس الفرنسي مثلاً ولاه الفرنسيون أمرهم حيث اختاروه بمحض إرادتهم رئيساً ولو كان فاجراً لما اختاروه. علماء المسلمين يريدون للمسليمن ألاً يثوروا أبداً ضد اولياء أمرهم ولو كانوا فاجرين. هذا الموقف اللاهوتي ظهر وتمأسس في العهد الاموي، ثم احتواه التاريخ الإسلامي فيما بعد كأصل من أصوله. ففي العهد الأموي استعمل الحلفاء والأمراء العلماء والشعراء من أجل ترويج فكرة ارتباط سياسة الحاكم بإرادة الله. ففي حق هشام بن عبد الملك مثلاً قال الفرزدق: هشام خيار الله للناس والذي — به ينجلي عن كل الأرض ظلامها. وكأن الفرزدق كان يعني العكس في الشطر الثاني من هذا البيت إذ أن ظلام أرض المسلمين باق ولا يبدو أنه سينجلي على المدى القريب. الغريب في كل ما كتب وقيل في موضوع الخلافة هو أن الأرثوذوكسية الإسلامية تتحاشى الخوض في قضية مهمة هي ظاهرة الخروج المتكررة في تاريخ الإسلام عن طاعة الأمراء واولي الامر. لم يكن هناك ولي أمر واحد لم يخرج المؤمنون عن طاعته. فهل يعني هذا أن ” الخارجين” أو ” الخوراج” كلهم عصاة الله والرسول؟ لماذا لا نقول أن الله قد تخلى عن هؤلاء الأمراء بسبب طغيانهم؟ أغلبية ” الخارجين” مؤمنون بالله وخروجهم عن الولي أو الأمير لا يمكن أن يكون كفراً. هل يجوز أن نفترض أن الله يفضل أولياء الأمر ضد المأمورين المؤمنين؟ قد يقال أن أبا بكر ترك إرثاً يقتدى به حينما طالب الناس أن يصححوه إن صدر منه اعواجاج، لكن هذه العملية ظلت جوفاء وغير قابلة للمراقبة والضبط لأن العلاقة بين الحاكم ورجل الدين أخذت على مدار التاريخ أبعاداً استبدادية اخرى. الحاكم والعالم تعاقدا على خدمة الواحد منهما الآخر. يتصارعان احياناً فتصير الغلبة لهذا الطرف أو ذلك، لكنهما في كل الأحول يتعاونان لأن الواحد منهما محتاج لللآخر. يكفر الحاكم من خرج عنه فيعاقبه او يعدمه تماماً بعد أن يحصل من عند العالم على شهادة حسن السيرة كخليفة الله في أرضه. في مقابل ذلك يٌترك العالم لحاله لكي يتكحم إيديولوجياً في الناس، بل يحصل من عند الحاكم على كل التسهيلات من أجل القيام بمهمته. ومن مقتضيات العقد الأزلي بين الدين والسياسة في الإسلام أن تحمي السياسة الدين وأن يصون الدين السياسة. الدولة في العالم الإسلامي دولة ليست دينية في جوهرها لكنها تحمي الدين من خلال فرض قوانين وقواعد تعاقب كل من حاول الخروج عن ” الجماعة”. ليس للفرد أي هامش للتحرك الحر في البلدان التي يحكمها العقد الأزلي بين الدين والسياسة، الفرد ينفذ ما قاله الله ويخضع لمن يمثل الله على أرضه: الطاعة لله والخضوع لخليفة الله. إن لم يسجنه الحاكم قهره العالم. هكذا يتبادل الحاكم والعالم الخدمات. يحدث هذا جلياً في السعودية العربية، الأردن، دول الخليج و المغرب أيضاً رغم اختلاف الأخير في تعاطيه مع الحداثة الغربية.

أختم هذه الورقة بالإشارة إلى أن أروبا المسيحية تحررت من نفسها حينما صارحت نفسها وقررت القطيعة مع الكنيسة المفلسة التي استعبدت الناس لقرون عديدة.

أكتوبر 2015

Leave a Reply